الثلاثاء، 29 ذي القعدة 1438 - 22 آب / أغسطس 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات الشروق إسرائيل: احتجاجات طبيعية في مجتمع غير طبيعي

إسرائيل: احتجاجات طبيعية في مجتمع غير طبيعي

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

abdelfath-s

حركة الاحتجاج الإسرائيلي غير مسبوقة من حيث مطالبها والمشاركين فيها ومسبباتها وآثارها. فإلى أي مدى يمكن أن تنجح هذه الحركة؟ وهل من رابط بينها وبين سياسات احتلال الأرض العربية؟

أولا: ليس لإسرائيل تاريخ طويل في الاحتجاجات الشعبية، فسابقا اندلعت احتجاجات إثنية قام بها اليهود الشرقيون ضد السياسات الحكومية التمييزية، أما الاحتجاجات الحالية فهي أوسع جغرافيا وسكانيا وأكثر تنظيما، إذ أشعلها شباب الطبقة الوسطى، ثم انضمت لها الفئات الفقيرة في معظم المدن والبلدات. ولئن كتبت صحف إسرائيلية وأجنبية عن أثر الثورة المصرية، وتأثر بعض المحتجين بميدان التحرير، إلا أن الحركة اتسمت بالتنظيم، حيث تشكلت "هيئة حركة الاحتجاج" كقيادة عليا، وظهر "مجلس الخيام القُطري"، كما تُعقد اجتماعات موسعة تشارك فيها هيئات أخرى كاتحادات الطلاب وحركات شبابية.

ثانيا: هناك حرص من قبل قادة الاحتجاج على عدم الاقتراب من المجال السياسي والتركيز على المطالب الاقتصادية-الاجتماعية، وعلى عدم تسييس الحركة ورفض تبرعات الأحزاب ورجال الأعمال. وقد أصدرت الحركة وثيقة "العدالة الاجتماعية: نحو برنامج عمل اقتصادي-اجتماعي جديد"، ترفض سياسات السوق الحر المنفلتة والخصخصة، وتطالب بدولة الرفاهية التي تحقق العدالة وتحارب الغلاء وتوفر المساكن وترفع الحد الأدنى للأجور وتعطي أولوية للتعليم والصحة. ودعت الوثيقة إلى تجديد الميثاق بين المواطن والدولة معتبرة أن هذه هي الأسس التي قامت الصهيونية من أجلها.

ثالثا: إن كان السبب الأساسي للاحتجاج هو غلاء المعيشة بشكل حاد، إلا أنه من الطبيعي أن تعاني الدولة من أزمات اقتصادية حادة لأسباب هيكلية ثلاثة. أولهما تبني الحكومات في العقدين الماضيين سياسات الاقتصاد الحر وتجاهل دولة الرفاه، الأمر الذي يعزز مصالح رجال الأعمال والشركات ويضر بالطبقات الوسطى والفقيرة. ويتفاقم الوضع مع عدم مشاركة المتدينين الحريديم في سوق العمل لأسباب دينية، وحصول أحزابها على مخصصات من ميزانية الدولة. بجانب تكلفة الإحتلال وبناء المستوطنات وتعاظم ميزانية الأمن على حساب الخدمات العامة. وقدرت "منظمة السلام الآن" الإسرائيلية أن الحكومة ترصد 22 مليون دولار سنويا لأمن 2000 مستوطن حول القدس، وأنها استثمرت عام 2009 في البناء بمستوطنات الضفة أربعة أمثال استثمارها في إسرائيل كلها.

رابعا: غيرت الاحتجاجات أجندة النقاش العام، فقد حلت المطالب الاقتصادية-الاجتماعية لأول مرة محل الاهتمامات الأمنية. وسينعكس هذا على الساحة السياسية برغم الحرص على البعد عن السياسة. فمنع الاحتكار ومساعدة الفقراء وزيادة الانفاق تتطلب تخفيض ميزانيات الأمن والمستوطنات ومخصصات المتدينين. إن القضية الاقتصادية-الاجتماعية مرتبطة بالأمن والسياسة، وهذا الربط بدأ يظهر في الإعلام وإنْ لم يظهر في بيانات قادة الاحتجاج. وأسباب الربط اقتصادية براجماتية، ناهيك عن الأسباب الحقوقية التي تحتم إنهاء الاستيطان والاحتلال. وقد دعا بنيامين بن أليعازر، المستقيل من حكومة نتنياهو، إلى تجميد الاستيطان وتقليص ميزانية الأمن لتسوية الأزمة. بل وتحدث البعض عن ضرورة استخدام المعونة الأمريكية (نحو 3 مليارات دولار) لتطوير الخدمات والمرافق.

خامسا: لاشك أن إسرائيل، كغيرها من دول الغرب، تسيطر عليها مجموعات مصالح استطاعت الحصول على مكاسب لا تتناسب مع حجمها العددي، كالتيارات الدينية والمستوطنين ورجال المال. ولهذا فلكي يحدث التغيير الاقتصادي المنشود لابد من تغيير سياسي يسمح بظهور طبقة وسطى بأجندة سياسية عابرة للانتماءات السياسية والدينية التقليدية، وقادرة على تكوين كتلة تصويتية لصالح أحزاب الوسط واليسار وعلى حساب المتدينين واليمين المتشدد. لكن هناك شرط آخر أهم هو ضرورة إدراك الطبقة الوسطى الوجه الآخر لخطأ الحكومات المتعاقبة (بعد الخطأ الاقتصادي) وهو انتهاك أبجديات القانون الدولي واستمرار الاحتلال وبناء المستوطنات.

قد يكون هذا الإدراك المفقود مسألة وقت إذا ما امتدت الثورة المصرية، وبقية الثورات العربية بعد نجاحها، إلى سياساتها الخارجية وظهر فاعلون عرب، قادرون على فرض أجندة سياسية عربية موحدة، تطرح المعادلة الحقيقية للصراع. فواقع الأمر أن لا الحكومة الحالية، ولا أي حكومة إسرائيلية أخرى، تستطيع تقليص ميزانية الجيش والأمن، فالكيان الإسرائيلي، بهيكلته الحالية، كيان كولونيالي لا يعيش إلا بوجود عدو دائم وجيش دائم. ولا سبيل لمواجهة هذا إلا بتغيير تلك الطبيعة والتخلي عن الطابع العنصري والتوسعي للصهيونية.

إسرائيل: احتجاجات طبيعية في مجتمع غير طبيعي، الشروق، 21 أغسطس 2011.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث