السبت، 27 ربيع أول 1439 - 16 كانون أول / ديسمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون من دروس العدوان الإسرائيلي على لبنان

من دروس العدوان الإسرائيلي على لبنان

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

من دروس العدوان الإسرائيلي على لبنان- د. عبدالفتاح ماضي *

بالطبع سيشكل عدوان 2006 الإسرائيلي على لبنان موضع بحث مطول لكل دارسي الصراع العربي الصهيوني لاستخلاص العبر وفهم السياسات والاستراتيجيات المختلقة لكل أطراف الحرب، فالعدوان غير وسيغير الكثير من الأمور في مجريات الصراع العربي-الصهيوني... في هذه المقالة سنقف –باقتضاب- عند بعض العبر والدروس التي سطرتها المقاومة الإسلامية في لبنان في مواجهتها للعدوان.

فأولاً: أظهرت الحرب أنه يمكن التصدي لإسرائيل ولأهدافها المعلنة، فإسرائيل لم تعد المارد الذي لا يهزم عسكرياً ولا يمكن التفكير – مجرد التفكير– في مواجهته عسكرياً... فبرغم قوتها العسكرية الساحقة والدعم الغربي لها استراتيجياً وعسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً فإن حرب العصابات التي لجأت إليها المقاومة الإسلامية غيرت الكثير من أسس نظريات الأمن الإسرائيلية. فالطيران الإسرائيلي لم يتمكن من تدمير قدرات عدوه الرئيسية في بداية الحرب، كما أن آلة الحرب البرية واجهت تكتيكات على الأرض لم تخبرها من قبل، أما العمق الإسرائيلي، الذي لم يُختبر من قبل، فقد ظل تحت رحمة صواريخ المقاومة طيلة مدة العدوان الأمر الذي أثّر بالسلب على الهجرة اليهودية إلى إسرائيل التي لا يمكن أن تستمر بلا هجرة. ونظرية الحرب الخاطفة التي كثيرا ما لجأت إليها إسرائيل في الماضي أصبحت – مع هذه الحرب – نظرية من زمن ماض، أو على الأقل غير ذات جدوى مع حزب الله. كما أن صمود الشعب اللبناني أمام الاعتداءات، وعدم تخليه عن المقاومة، أفشل أمنيات إسرائيل بانقسام داخلي يشتت أنظار المقاومة ويغرقها في متاهات طائفية وسياسية.

ثانياً: نجحت الحرب الشعبية وحرب العصابات فيما فشلت فيه الجيوش النظامية العربية، تلك الجيوش التي لم تخض حرباً واحدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً للحفاظ على، أو الدفاع عن، الأمن القومي العربي، في الوقت التي تحالف بعضها مع الجيوش الأمريكية والبريطانية ضد العراق مرتين في عقد ونصف من الزمان، واستخدامها في عدد من الحالات لقصف المدن التي تحصن بها معارضون للأنظمة الحاكمة أو لقمع تمرد فئة أو قبيلة أو لإنجاز تأهب أمني ما. فهل الزمن زمن الجيوش الشعبية وحروب العصابات، ولا سيما أن جُل حركات التحرر اعتمدت على ذلك الشكل من أشكال الحروب في نضالها ضد المستعمر؟

ثالثاً: أضحي لمفهومي الهزيمة والانتصار مضامين متغيرة ومتحركة، فإسرائيل غيرت من أهدافها من حربها على لبنان من تدمير حزب الله إلى إبعاده عن الجنوب وتحييد صواريخه، وذلك بالنظر إلى الصمود الذي أبداه مقاتلو حزب الله على الأرض. وقد يتحقق لها هذا إذا ما تم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701 بحذافيره. كما أن خطاب حزب الله لم يقترب من الأهداف – غير الواقعية - التي تعود الإنسان العربي على سماعها من أنظمته الحاكمة مثل سحق إسرائيل وإزالتها من الخريطة، أو تدمير نصفها، أو استئصال الورم الصهيوني، وغير ذلك. فالأمين العام للحزب أعلن أكثر من مرة، أثناء العدوان، أن الهدف هو تكبيد العدو أكبر قدر ممكن من الخسائر لدفعه إلى الخروج من الجنوب اللبناني وكف عدوانه عن شعبه. وهذا هو ما فعلته، دوماً، حركات المقاومة والجيوش الشعبية في مواجهة أعدائها بلا تهوين أو تهويل.

رابعاً: لعب الدين - الذي ظل المرتكز الرئيسي لهوية أبناء المنطقة العربية على الرغم من كل المحاولات الداخلية والخارجية لإقصائه – الدور الرئيسي لذلك النوع من الحروب. فالمقاومة إسلامية في جوهرها ومظهرها، والدين، بقيمه ورموزه ومظاهره، اُستخدم في الحرب، ونجح في شحذ همم المقاتلين على الأرض وحشد قطاعات واسعة في الشارع العربي خلف المقاومة. كما أن ثمة على الجانب الإسرائيلي من استخدم الدين لأغراض مشابهه. وهذا يثير تساؤلات عدة حول أهمية وكيفية استخدام الدين، بقيمه ورموزه، في تحقيق المصالح العليا للدولة؟ ومعرفة من المستفيد من تحييد أحد عناصر القوة الممكن استخدامها في تحقيق الأهداف العليا وفي مواجهة إستراتيجيات الآخرين؟

خامساً: أظهرت الحرب الأنظمة العربية على حقيقتها وجردتها من آخر ورق التوت التي كانت بعض تلك الأنظمة تتقنع بها في تعاملها مع القضايا العربية المصيرية. فاعتداءات إسرائيل المتكررة على العرب لا يجب أن تُواجه بالإعلان في كل مناسبة عن أن السلام مع إسرائيل هو الخيار الإستراتيجي للتعامل مع إسرائيل. إن من أبجديات السياسة التلويح ببدائل عدة في التعامل مع الآخرين- بما في ذلك اللجوء إلى الحرب أو التهديد بها – للحصول على الهدف المنشود. أما الإصرار على التفاوض في الوقت الذي يصر فيه الإسرائيليون على العدوان والحرب يعني الاستسلام والخنوع وإضعاف الذات وإهدار عوامل القوة، وتحييد بدائل السياسة، ولا يدل إطلاقاً على الحكمة وبعد النظر والتروي كما يحاول أكثر من حاكم عربي إيهام محكوميه.

سادساً: أثبتت الحرب أنه من الممكن إفشال محاولات زرع الفتن المذهبية والطائفية بين المسلمين. فهناك بالطبع محاولات لإحداث فتنة شيعية-سنية، وخلق محاور سياسية شيعية وأخرى سنية، إلا إن تأييد الشارع العربي للمقاومة الإسلامية، التي هي شيعية في معظمها، ودعم كبار علماء السنة لمقاومة حزب الله وَأَدَ الفتنة التي أراد البعض – عن قصد أو جهل – زرعها في المنطقة. فهل حان الأوان لوضع كل الخلافات المذهبية والطائفية والتصدي للخطر الذي يواجهه الجميع؟ وهل يمكن لأهل العراق، بكافة طوائفهم ومذاهبهم، فهْم دروس العدوان على لبنان التي اكتوت بنار الطائفية والمذهبية لعقود عدة؟

سابعاً: أظهرت الحرب التحيز الأمريكي السافر لصالح إسرائيل للمرة الألف. فهل تفهم الأنظمة الحاكمة لمرة واحدة أن خنوعها أمام المطالب الأمريكية يزيد من ذلك التحيز ويقلل من أهمية ووزن الدول العربية أمام منظري السياسة الخارجية الأمريكية. ألمْ يحن الوقت لكي يتعلم العرب من جيرانهم في تركيا التي تعرف متى تقول لا للأمريكيين برغم عضويتها في الناتو، بل ومن فنزويلا التي فعلت ما لم تفعله دولة عربية واحدة تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل.

ثامناً: إن تأمين عالمنا المعاصر – الذي هو عالم القوة – لا يتم من خلال المنظمات الدولية ومجلس الأمن. فهذا الأخير – الذي ظل عصبة للأقوياء إبان فترة الحرب الباردة – لا يتحرك إلا بالإرادة الأمريكية في النظام الدولي المعاصر، بل وتم استغلاله لصالح إسرائيل عن طريق تعطيل دوره لفترة زمنية ممتدة حتى تمكنت إسرائيل من تكثيف ضغطها على لبنان من خلال إحداث أكبر قدر ممكن من التدمير والخراب. ولذا لن يتمكن العرب من تفعيل المنظمات الدولية لصالح قضاياهم العادلة إلا بالتكتل ونبذ التجزئة والتوجه إليها ككتلة واحدة تعمل من أجل المصالح العربية العليا بعيداً عن القطرية والمصالح الضيقة.

وأخيراً يجب الإشارة إلى أن على الأنظمة والشعوب العربية تذكر أن ما جرى في لبنان في حرب الـ 33 يوماً من قتل وتدمير وتخريب وخطف يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنوات. لقد قُتل 2551 فلسطينياً وجرح نحو 10903، واعتقل أكثر من 28000 منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 وحتى فبراير 2006. لم ترتكب إسرائيل شيئاً غير مألوف عنها في عدوان صيف 2006! فمتى يتحرك العرب؟

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث