الثلاثاء، 29 ذي القعدة 1438 - 22 آب / أغسطس 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون مغالطات السياسة الخارجية المصرية

مغالطات السياسة الخارجية المصرية

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

مغالطات السياسة الخارجية المصرية – د. عبدالفتاح ماضي - المصريون - يناير 2009

السياسة الخارجية المصرية، كما سياستها الداخلية، ملك للشعب المصري كله ولا يمكن أن تنفرد بها الحكومة الحالية، ولا يمكن لطرف واحد إدعاء أنه هو بفرده يعرف مصلحة مصر ولا أن يتهم كل من يخالفه في الرأي بأنه يعمل لأجندات خارجية. من هذا المنطق أعرض في هذه المقالة لخمس مغالطات أعتقد أن السياسة الخارجية الحالية لمصر يجب أن تتخلص منها لأنها المسؤولة عن القضاء على ما تبقى من هيبة للدور المصري في المنطقة. والهدف هو المشاركة في تسليط الضوء على ما يمكن العمل من أجله إذا صلحت النوايا واستعيدت الإرادة للعمل من أجل إنقاذ الشعب الفلسطيني وإنقاذ المنطقة واستعادة دور مصر.

المغالطة الأولى: (هناك أطراف تريد جرجرة مصر إلى حرب جديدة مع إسرائيل بينما هذه الأطراف لا تحرك ساكناً كما أن اتفاقية السلام مع إسرائيل تمنع مساعدة الفلسطينيين) وهذا أسخف ما يقال لتبرير عدم تدخل مصر لمساندة الفلسطينيين لعدة أسباب: فأولاً عدم تدخل الآخرين لا يمكن أن يكون مبرراً لتقاعسنا نحن في مسألة أمن قومي عربي ومصري، وثانياُ ليس المطلوب تحريك الجيوش وإنما إعمال العقول واستخدام كل أدوات الضغط التي تملكها مصر لنصرة الطرف الفلسطيني على النحو الذي سنوضحه في مقال قادم. وعلى كل حال فليس من المتصور مطالبة الحكومة باستخدام الجيش وهي فشلت في أمور صغيرة تقوم بها حكومات ضعيفة بسيطة مثل تنظيم المرور وتوفير الخبز. ثالثاً كان هدف اتفاقية السلام مع إسرائيل إعادة سيناء لمصر مقابل إنهاء الحرب وإقامة علاقات طبيعية، ومن ثم فلا شيء في الاتفاقية يمنع التوسط للوصول إلى اتفاق على أساس قراري 242 و338، بل إن مقدمة اتفاقية السلام تنص على أن يعمل الطرفان المصري والإسرائيلي على تحقيق ذلك. كما لا تمنع الاتفاقية التدخل لإنقاذ الفلسطينيين في حالة الحرب فقوانين جنيف تقيم التزام قانوني بجانب الالتزام الأدبي، ولماذا تُعلي مصر اتفاقيات السلام على اتفاقية الدفاع العربي المشترك وعلى اتفاقيات جنيف التي تحتم إنقاذ المدنيين وقت الحرب والحصار؟ رابعاً ألم تخترق إسرائيل معاهدة السلام أكثر من مرة عندما قتلت مصريين على الحدود وعندما صدّرت عشرات من الجواسيس ومهربي المخدرات إلى مصر؟ هذا ناهيك أن استهداف المدنيين في الأراضي المحتلة والاستمرار في بناء المستوطنات.

الثانية: (حالة السلام بين مصر وإسرائيل تمكن مصر من التفرغ لقضايا التنمية الاقتصادية). وهذا قول عبثي لا معنى له ويمكن لكل مصري إثبات عدم صحته، فأين هي هذه التنمية الاقتصادية؟ وهل الوضع الاقتصادي في مصر أفضل من وضعنا قبل توقيع معاهدة السلام عام 1979؟ الآن لا يمكننا مقارنة مصر، اقتصادياً، مع دول كانت لا تملك شيئاً في السبعينيات مثل كوريا الجنوبية وتايوان، وليس مع دول تشابهت أوضاعها مع مصر في السابق مثل إسبانيا وماليزيا والبرازيل وتركيا ولن نقول اليابان أو الصين..

الثالثة: (حماس فرع من الأخوان المسلمين وهي تعبر عن تطرف إسلامي مسلح معاد للمدنية والتسامح، وأن طريق المقاومة الحقيقي هو النضال عبر التفاوض ودعم السلطة الوطنية الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد عن المصالح الفلسطينية). وهذه الأسطورة يكذبها الواقع من أكثر من جهة، فالمقاومة لابد أن يكون لها أجنحة عسكرية ضاغطة من أجل الحصول على أكبر تنازل من الخصم، كما أن للمقاومة أوجه ومستويات عدة بجانب البعد المسلح، فهناك البعد السياسي والإعلامي والمعنوي، ويمكن لمصر المساعدة في هذه المستويات.. هذا بجانب أن معسكر المقاومة المسلحة في فلسطين يضم، بجانب حماس، فصائل وكتائب أخرى منها كتائب الشهيد أبو على مصطفى التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح. ثم أين كانت الدبلوماسية المصرية عندما انقلبت إسرائيل على فتح وحاصرت عرفات حتى توفاه الله؟ لماذا لم تنقذ رئيس السلطة التي تؤمن بالتفاوض.

وبعد ما يقرب من عشرين عاما من مسيرة التسوية ألم تدرك الدبلوماسية المصرية أن المسألة بالنسبة للإسرائيليين مسألة وقت فكل العرب بما فيهم من يسير في ركب الإسرائيليين أعداء حاليين أو مستقبليين ولهذا فالتعامل معهم يكون من خلال الاستمرار في قضم الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات أولا، والعمل على إشغال السلطة وبعض العرب بقضية المفاوضات دون تقديم مكسب واحد لهم ثانيا، واستهداف المقاومين من الفلسطينيين بالسلاح وتقتيل القيادات بهدف كسر المقاومة ثالثا، واستمرارها في محاولات التطبيع وفتح السفارات والمكاتب التجارية لتوسيع الهوة بين العواصم العربية رابعا.

الرابعة: (حماس تعمل لأجندة خاصة وتستهدف مصر وآية ذلك أن عناصر من حماس قتلت الرائد المصري على الحدود). تُستخدم هذه الأسطورة لتبرير حالة التهييج التي دُفعت لها أجهزة الإعلام الرسمية ضد حماس. غيرة النظام وإعلامه أسطورة وليست حقيقة، فأين هذه الغيرة عندما قتلت إسرائيل العشرات من المصريين في رفح خلال السنوات السابقة؟ ثم أين موقف السياسة المصرية من مسألة قتل الأسرى المصريين؟ وإنْ كانت الحكومة حريصة على دم المصريين فأين موقفها تجاه الغرقى في البحر المتوسط؟ بل وماذا تفعل لآلاف القتلى في حوادث الطرق والقطارات؟ دم المصريين سواء، ولا يجب استخدام الحدث لتصفية مواقف سياسية.

الخامسة: (هناك اتفاقية المعابر التي تمنع من فتح مصر لمعبر رفح، وهناك مخطط لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء). الحقيقية هي أن مصر ليست طرف في اتفاقية المعابر بين السلطة وإسرائيل الموقعة في 15 نوفمبر 2005 بغرض فتح المعابر بمراقبة دولية، وقد انتهت مدتها، ولا يوجد أية التزامات على مصر في الأساس تحول دون فتح المعبر. بل على العكس هناك التزامات ترتبها اتفاقيات جنيف تحتم على مصر فتح المعبر لحماية المدنيين من المذابح الإسرائيلية ومن الحصار. أما القول بمخططات لتهجير فلسطينيين إلى سيناء فقول غريب، فهل فتح هذا المعبر الصغير هو الذي سيخلق هذه المشكلة المفترضة؟ وهل غلق المعبر سيحول دون إتمام المخطط المزعوم؟ وألا يمكن تصور العكس، أي أن الضغوط على الفلسطينيين في داخل غزة ومواصلة الضغط على مصر لإحكام الحصار على الحدود (وليس فتح المعبر) قد يؤدي إلى الانفجار والتدفق نحو سيناء للحصول على الاحتياجات الضرورية، ثم إحكام إسرائيل الحصار فحدوث مشكلة لاجئين جدد..

إن الحكومات الحقيقية هي التي تمثل شعبها وتدافع عن مصالحه ولا تقيم سياستها الخارجية على مثل هذه المغالطات، وهي التي تلجأ إلى استخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق مصالح دولها وشعوبها. وأنا أؤمن بأن مصر تمتلك القدرات البشرية وأكثر من عشرين أداة من أدوات الضغط الدبلوماسي والإعلامي والسياسي والتي يمكن استخدامها لنصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ولإعادة الهيبة لدور مصر الخارجي. وهذا موضوع المقال القادم.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث