السبت، 27 جمادى أخر 1438 - 25 آذار / مارس 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات الجزيرة نكبة فلسطين وطبيعة الدولة الصهيونية

نكبة فلسطين وطبيعة الدولة الصهيونية

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

alt

حركة صهيونية استعمارية
دولة عنصرية غير طبيعية
الدين في خدمة المشروع الاستعماري
مؤسسات غير طبيعية لدولة غير طبيعية
اقتصاد غير طبيعي

مر أربعة وستون عاما على نكبة فلسطين ولا يزال شعب فلسطين البطل صامدا أمام كيان إمبريالي عنصري يمثل قوة الاحتلال الوحيدة في عالمنا المعاصر. ما كان لهذا الكيان البقاء لهذه الفترة وممارسة كل أنواع العدوان لولا دعم القوى الدولية الكبرى من جهة، وضعف الحكومات العربية من جهة أخرى.

لكن هذا الكيان غير طبيعي من وجوه كثيرة، ومآله إلى زوال لأنه ضد نواميس الكون، ولكن أيضا لابد للأجيال الجديدة من الشعوب العربية أن تعرف هذه الطبيعة، وتستعد للتصدي له واستعادة حقوقها الشرعية.

حركة صهيونية استعمارية
البداية كانت نشأة الصهيونية كحركة سياسية بأهدافها ووسائلها، فالهدف هو إقامة دولة لليهود في فلسطين بالاعتماد على عمل اليهود أنفسهم، وهذا يخترق الفكرة اليهودية القديمة التي تقرر أن "عودة اليهود" إلى فلسطين لبناء الهيكل لن تتم إلا على يد المسيح الذي لم يُبعث بعد عندهم.

لم يكن بمقدور الحركة الصهيونية أن تحقق أهدافها من غير دعم القوى الاستعمارية الكبرى، إذ التقت مطامع الحركة مع مصالح هذه القوى في إقامة حاجز بشري غريب بين مشرق العالم العربي ومغربه

ولتحقيق هذا الهدف، استخدمت الصهيونية، نهاية القرن 19، إستراتيجيات عدة، فتجاه الدول الكبرى، ادعت أن حركة "العداء لليهودية" (التي أسمتها زورا "العداء للسامية") هي التي خلقت ما أسمته، زورا أيضا، "المسألة اليهودية"، كما زعمت أن "اليهود يشكلون أمة واحدة"، ولهذا فالحل الأمثل لمشكلتهم هو إقامة "دولة" لهم بفلسطين استنادا إلى فكرة القوميات الشائعة آنذاك.
وفي خطابها تجاه الجماعات اليهودية، لجأت الصهيونية إلى استعمال مقولات دينية وتاريخية ليست لها أي أساس واقعي، "فاليهود شعب الله المختار" الذي "وعده الله الأرض المقدسة"، وهم "أول من سكنوا فلسطين"، ولم يخرجوا منها إلا على يد الغزاة، والدولة اليهودية المنشودة تمهد لقدوم المسيح.

ثم قامت الصهيونية بدفع الجماعات اليهودية للهجرة إلى فلسطين لتوطينهم هناك وإحلالهم محل أصحاب البلاد الشرعيين، ففلسطين لم تكن قبلة اليهود ولا أرض ميعادهم، وفلسطين لم تكن أرضا بلا شعب، كما روجت الحركة، ولهذا ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر لن ينساها التاريخ.

ولم يكن بمقدور الحركة أن تحقق أهدافها من غير دعم القوى الاستعمارية الكبرى، إذ التقت مطامع الحركة مع مصالح هذه القوى في إقامة حاجز بشري غريب بين مشرق العالم العربي ومغربه يحول دون قيام خلافة إسلامية عربية محل الخلافة الإسلامية العثمانية التي كانت في أيامها الأخيرة وقتذاك.

دولة عنصرية غير طبيعية
كان طبيعيا، بالنظر إلى طبيعة الصهيونية، أن تلد الصهيونية دولة صهيونية إقليمها الجغرافي اغتصب من أهله بعد عمليات قتل وإرهاب وتشريد، وعنصرها البشري تم جلبه من أوروبا ثم من العالمين العربي والإسلامي، دون أن يتسم بالتجانس، ودون أن يجمعه تاريخ مشترك، أو أن توحده لغة مشتركة. وقد راحت الدولة، كما الحركة الصهيونية من قبل، تُسخّر ادعاءات وأسانيد دينية وتاريخية في خدمة أهدافها ومصالحها، لكنها ظلت حتى يومنا هذا دولة غير طبيعية.

الدولة تشهد مشكلة طائفية حادة يعاني منها اليهود غير الغربيين، لأن حلم زعماء الصهيونية بدولة تجمع ما أسموه "الشتات اليهودي" وتقضي على ما أسموه "المسألة اليهودية" قد تلاشى بمجرد وصول أفراد الجماعات اليهودية إلى أرض هم غرباء عنها بقدر ما هي غريبة عنهم. ولهذا هناك مظاهر مختلفة من التمييز في كافة القطاعات.

ونظرا لأن الدولة نشأت لكل يهود العالم وليس لكل المقيمين بفلسطين، فقد مارست مؤسساتها كافة أنواع التمييز ضد كل من هو غير يهودي. وهناك قانونان ليس لهما مثيل في العالم هما قانون العودة وقانون الجنسية، الأول يترجم ادعاءات دينية (هى حق عودة اليهود إلى أرض الميعاد) إلى واقع فعلي، ويمنح لكل يهودي الحق في المجيء إلى "إسرائيل" كمهاجر، والحصول على "الجنسية الإسرائيلية" بمقتضى القانون الثاني، وذلك بمجرد تعبيره عن رغبته في الهجرة.

نظرا لأن الدولة "الإسرائيلية" نشأت لكل يهود العالم وليس لكل المقيمين بفلسطين، فقد مارست مؤسساتها كافة أنواع التمييز ضد كل من هو غير يهودي

وتزعم الدولة أن هذين القانونين يضمنان لليهودي أن "يستأنف وضعه القانوني" الذي فقده قبل نحو ألفي عام! وفي المقابل، حدّد قانون الجنسية شروطا عدة للتجنس جعلت من الصعوبة على أصحاب البلاد الشرعيين أن يحصلوا على الجنسية. ودرجت المحاكم على إصدار أحكام هزيلة بشأن الاعتداء على العرب وممتلكاتهم، كما حُرم العرب من امتلاك الأراضي بمقتضى قانون أراضي الدولة/1960، أما الكنيست فقد أباح لجهاز الأمن تعذيب المعتقلين العرب.

كما يهاجر من الدولة كل عام الآلاف من اليهود بهدف الاستقرار بأميركا وأوروبا برغم أنها كيان استيطاني يعتمد على استقبال المهاجرين. وللعاملين الاقتصادي والأمني دور لا يستهان به هنا، بجانب أن الانقسام الاجتماعي بين المستوطنين وتعاظم أزمات الاستيعاب يؤدي لكشف عمليات التضليل التي تمارسها الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة والاستيعاب.

الدين في خدمة المشروع الاستعماري
الدين يلعب دورا محوريا في هذا المشروع، فهو القوة الروحية التي استندت إليها الصهيونية لصياغة مطامعها، ومثّلت التوراة والتلمود معينا لا ينضب أمام الصهيونية لكسب الشرعية والهيمنة على كافة التيارات الفكرية اليهودية، شأنها في ذلك شأن كافة الفرق اليهودية الأخرى.

لكن الصهيونية أنتجت دولة تخترق أيضا تعاليم الدين، فقيام دولة لليهود في فلسطين قبل ظهور المسيح أمر يتعارض مع الدين اليهودي، والدولة ترتبط بالصهيونية كفكر مذهبي، وتحكمها أغلبية علمانية، وحكمتها ذات يوم امرأة برغم الوضع المتدني الذي تحدده اليهودية للمرأة. ومعظم قوانين الدولة مستمد من الثقافة الغربية وليست من الديانة اليهودية، ومصدر السلطة هو الشعب وليس التوراة أو التلمود، أما السياسة الخارجية التوسعية فيحكمها منطق القوة أكثر من النصوص الدينية.

وهناك شواهد تؤكد مخالفة الدولة للقيم الدينية، فالعلاقات الجنسية يكاد يُصرحُ بها في الجيش، واللواط سلوك اجتماعي مقبول بل وصادق عليه الكنيست (مارس/ آذار 1983)، والدولة تحتل مركزا متقدما في العالم في تصدير العاهرات.

هناك بالطبع متدينون يشكلون أقلية عددية، لكن، نظرا لقدراتهم التنظيمية القوية، فإن نفوذ الأحزاب الدينية يفوق حجم جمهورها الانتخابي وقوتها البرلمانية، وتشكل هذه الأحزاب القوة الثالثة، بعد اليسار واليمين، التي بدونها لا يمكن لأي ائتلاف حكومي أن يرى النور.

مؤسسات غير طبيعية لدولة غير طبيعية 
وبرغم أن الدولة تشهد نسبة مشاركة سياسية مرتفعة (أكثر من 75% بمعظم الانتخابات)، إلا أن هذا الأمر مرتبط بأوضاع غير طبيعية، فالدولة تستقبل دوما مهاجرين من الخارج، بجانب جهود الساسة في التشبه بالديمقراطيات الغربية وإظهار دولتهم كواحة للديمقراطية.

والكنيست لا يخلو من مشاهد تخالف الديمقراطية، فهناك قانون العدد الذي يمنع وصول ممثلي الأحزاب العربية والشيوعية للجان الرئيسية كلجنة المالية ولجنة الشؤون الخارجية والأمن. ومعظم القوانين التي يقرها المجلس تصدر بأغلبية الحاضرين، لعدم وجود نصاب قانوني لحضور الجلسات، وكثيرا ما تنفرد الأحزاب الكبيرة بالمناقشة والتصويت وسن القوانين.

نشأت الأحزاب قبل قيام الدولة واتفقت على هدف واحد هو دعم الصهيونية، وبعد ظهور الدولة اجتمعت الأحزاب على هدف مشترك هو دعم الدولة وأمنها ورفاهيتها

أما الأحزاب، فقد نشأت قبل قيام الدولة واتفقت على هدف واحد هو دعم الصهيونية، وبعد ظهور الدولة اجتمعت الأحزاب على هدف مشترك هو دعم الدولة وأمنها ورفاهيتها مع اختلافها في السبل إلى ذلك. وهذه الأحزاب تتسم بمركزية القيادة، وسيطرة العنصر اليهودي البولندي على نخبها، وتلقيها دعما ماليا ومعنويا من الخارج. 

ومثل الهستدروت الأداة الفعلية لتنفيذ المشروع الصهيوني بتنظيمها عمليات الهجرة والاستيعاب والاستيطان وإيجاد فرص عمل للمهاجرين. والهستدروت ليست كبقية اتحادات نقابات العمال، إذ أنها ظهرت قبل نشأة النقابات والاتحادات الخاضعة لها، بل وقبل قدوم العمال أنفسهم! وهي لا تدافع عن مصالح أعضائها فحسب، وإنما هي أيضا أكبر رب عمل داخل الدولة! بجانب أن لها أدوارا أخرى كعملها لكسر الحصار الاقتصادي العربي، والتغلغل بالأسواق الأفريقية والآسيوية.

أما المؤسسة العسكرية فتلعب دورا مؤثرا في السياسة، ما دفع الباحث الإسرائيلي إسرائيل شاحاك إلى وصف المجتمع الإسرائيلي بأنه "جيش له دولة وليس دولة لها جيش". وهذا طبيعي بالنظر إلى أن الدولة قامت بقوة السلاح، وتتبنى التوسع كهدف دائم لها، وتخصص نسبة عالية من ميزانيتها للشؤون العسكرية، ويعمل نحو 15% من السكان بالجيش، ويتوظف نحو 25% من إجمالي القوة العاملة بالصناعات العسكرية. هذا بجانب أن نظام الخدمة العسكرية ليس له مثيل، والجيش يسيطر على معظم منظمات الشباب، ويُخرج معظم الكوادر بالدولة والأحزاب.

وللمنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية أدوار مؤثرة، فبعد دورهما المهم قبل قيام الدولة، وظفت الدولة إمكانات المنظمتين في خدمة أهدافها، فالمنظمة صارت أداة الحكومة بالخارج في مجال الهجرة والاستيعاب، والوكالة أضحت أداة الحكومة بالداخل في ذات المجال. وهكذا فالمنظمة والوكالة تشكلان معا قوة دعم للحكومة لا نجد له نظيرا بأية دولة أخرى.

وبرغم أن الفساد منتشر في الديمقراطيات المعاصرة، إلا أنه وصل إلى حد لا مثيل له في هذا الكيان. وتكفي الإشارة إلى أن أحد المطلوبين جنائيا في فرنسا صار عضوا بالكنيست بالسبعينيات، وأن العشرات من السياسيين اتهموا في قضايا فساد ورشوة واستغلال نفوذ في العقود الثلاثة الأخيرة، منهم رؤساء ورؤساء وزارة ووزراء وبرلمانيون ورؤساء أحزاب ورؤساء بلديات.

اقتصاد غير طبيعي
ولا يمكن أخيرا تجاهل طبيعة الاقتصاد الذي مكّن الكيان من البقاء. فبرغم ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه لا يمكن تجاوز حقيقة أن أصل نشأة هذا الاقتصاد ارتبط باغتصاب ونهب ممتلكات وأراضي وودائع العرب الذين تم قتلهم أو تشريدهم، وبسياسات الاحتلال البريطاني التي ساعدت على ظهور رأسمالية يهودية خاصة عبر تسهيل حصول اليهود على امتيازات تأسيس شركات احتكارية، وسهّلت لليهود الاستيلاء على أراضي العرب بأساليب أقل ما يقال عنها إنها لا أخلاقية، والتي أيضًا عمدت إلى تشجيع الصناعات اليهودية وحمايتها على حساب العرب ومنتجاتهم.

برغم بعض المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد الإسرائيلي،إلا أنه لا يمكن تصوير ذلك على أنه معجزة اقتصادية لأن المنح والمعونات هي التي تقف وراء ذلك

واليوم تسيطر الدولة على معظم النشاطات الاقتصادية عبر سياساتها المالية والنقدية والأجرية، وعبر مؤسساتها المختلفة كالوكالة اليهودية والهستدروت، كما تمتلك الدولة نحو 95% من الأرض.

بجانب عسكرة الدولة والعلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والجيش، واعتماد الدولة على المعونات والمساعدات الأجنبية والتسهيلات التجارية، على وضع يفوق كل أشكال العلاقات الإقتصادية الدولية. ولهذا وصف البعض العلاقات الأميركية الإسرائيلية بأنها أقوى من علاقات أميركا بإحدى ولاياتها الداخلية. وقدّر الاقتصادي الأميركي توماس ستافر عام 2002 أن "إسرائيل" كلفت أميركا نحو 1.6 تريليون منذ 1973، أما كارتر فقدر الدعم الأميركي بنحو عشرة ملايين دولار يوميا.

وبرغم بعض المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد، ومن الانتعاش الذي يشهده الاقتصاد في بعض السنوات، إلا أنه لا يمكن تصوير ذلك على أنه معجزة اقتصادية، لأن المنح والمعونات هي التي تقف وراء ذلك، ويؤكد هذا وجود مؤشرات اقتصادية تكشف الكثير من أوجه القصور، منها ارتفاع نسبة التضخم السنوية، ومعدل البطالة، ونسب الاستهلاك العام والخاص، وتدني إنتاجية العامل بالنظر إلى مستوى الدخل، والعجز شبه الدائم في الميزان التجاري في الوقت الذي يحقق فيه ميزان المدفوعات فائضا في بعض السنوات نظرا لتدفق المعونات الخارجية.

هذا كيان استيطاني إمبريالي يسير ضد نواميس الكون، ولا يحتاج إلا إلى حكومات عربية وطنية منتخبة تعبر عن مصالح شعوبها وتصنع سياسات خارجية مؤثرة.

نكبة فلسطين وطبيعة الدولة الصهيونية، الجزيرة، 19 مايو 2012.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث