الثلاثاء، 26 المحرم 1439 - 17 تشرين أول / أكتوبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية بحوث ودراسات Research أعمال منشورة الديمقراطية التمثيلية المختلة: هل تجهض الانتخابات الثورات؟

الديمقراطية التمثيلية المختلة: هل تجهض الانتخابات الثورات؟

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

demc.july2014شاع فهمٌ غير دقيق وسط الكثير من المتابعين والباحثين والسياسيين في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 بأن الديمقراطية هي إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية لملء المؤسسات الشاغرة بعد 11 فبراير 2011، وأن عملية التحول الديمقراطي هي إجراء هذه الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة وعدم إطالة المرحلة الانتقالية. هذا فهم يتناقض مع مفهوم الدولة الديمقراطية وأسس عملية بنائها، ومع أبجديات إدارة عمليات التحول الديمقراطي المنتشرة في أدبيات السياسة. ولهذا تحاول هذه المقالة أن تجيب على ثلاثة أسئلة محورية ذات صلة، وهي: هل الديمقراطية التمثيلية مجرد إجراء انتخابات؟ وكيف يمكن إدارة المراحل الانتقالية في أعقاب الثورات للوصول إلى انتقال ديمقراطي حقيقي؟ وهل يمكن للانتخابات أن تجهض الثورات والديمقراطية؟

هل الديمقراطية التمثيلية مجرد إجراء انتخابات؟

لا تعني الديمقراطية التمثيلية مجرد إجراء الانتخابات واختيار حكام جدد يمثلون الجماهير في مؤسسات الدولة الرسمية، فالانتخابات لبنة واحدة من لبنات البناء الديمقراطي التمثيلي. وبجانب الانتخابات هناك الأطر الدستورية والقانونية لدولة القانون والمؤسسات والمواطنة؛ والقضاء المستقل تماما عن السلطة التنفيذية؛ وضمانات مبدأ سيادة الشعب وعدم وجود إرداة أعلى من إرادة المؤسسات المنتخبة سواء جاءت هذه الإرداة من هيئات أو جماعات دينية أو قبلية أو من مؤسسة عسكرية أو أمنية أو قضائية؛ وحماية كافة الحريات والحقوق؛ وتمكين كل فئات المجتمع من المشاركة السياسية بكافة صورها وتقوية الأحزاب السياسية والمجتمع المدني واستقلال الإعلام ومهنيته؛ وابتعاد المؤسسات العسكرية والأمنية عن الشأن السياسي.

ومعظم الدول الديمقراطية المعاصرة هي دول ديمقراطية تمثيلية يختار الناخبون فيها حكامهم عبر انتخابات ديمقراطية، فعّالة وحرة ونزيهة، ليتولوا وظائف السلطة السياسية لكن مع تقييد هذه السلطة بالدستور والقانون وبمجموعة من الإجراءات والمؤسسات والكوابح المتبادلة، وبما يحقق في النهاية هدف أي نظام ديمقراطي حقيقي وهو صيانة الحريات والحقوق وعدم التعدي عليها بأي شكل من الأشكال، والحد من استبداد الحكام وفسادهم ووضع آليات لمراقبتهم ومحاسبتهم.

ولا يعني انتشار النظام الديمقراطي التمثيلي أنه يمثل النظام الأمثل، لأنه لا يوجد نظام سياسي أمثل في الأساس. والديمقراطية التمثيلية تمثل أفضل ما وصل إليه العقل البشري فيما يتصل بتنظيم السلطة السياسية وإدارة المجتمعات، لكنها أيضا تعاني من مشكلات عدة، أهمها دور المال السياسي ونفوذ رجال الأعمال والشركات الكبرى والإعلام في الانتخابات. هذا بجانب تجاهل بعض القضايا الحيوية التي تهم قطاعات أوسع من الجماهير كقضايا الفقر والبطالة وتمكين الفئات المهمشة والضعيفة والتغاضي عن دور الشركات الكبرى في الانفاق وظروف العمل وتجاهل هذه الشركات الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.

ويسمي روبرت دال الديمقراطية التمثيلية الحالية الديمقراطية البولارشية (التي تعني لغة حكم الأكثرية، أما في الواقع فتشير إلى تركيز السلطة أو الحكم في يد مجموعة صغيرة من الناس، تهيمن على العملية السياسية وإجراءاتها، مع إقصاء فئات أخرى من التعبير عن آرائهم أو حتى إقصائهم من التصويت في الانتخابات لأسباب عدة منها الفقر وقلة الوعي أو بسبب بعض القيود القانونية). وهذه البولارشية هي الديمقراطية التي لم تصل بعد إلى الديمقراطية الكاملة التي يكون فيها الشعب، كل الشعب، مشارك في تقرير مصيره وليس فقط في اختيار حكامه وقت الانتخابات. وهناك أيضا النقد الكلاسيكي الذي يرى إنتهاء الممارسات الديمقراطية إلى حكم الأقلية حسب "القانون الحديدي لللأوليجارشية" لروبرت ميتشل.

ولهذا هناك جهد يبذل دوما للاهتمام بالجوانب الأخرى للديمقراطية المتعلقة بنوعية ما تقدمه الحكومات الديمقراطية من سياسات وبرامج في مجال الحريات والمساواة والعدالة والنظام العام وغير ذلك. كما تتبنى الكثير من الديمقراطيات التمثيلية بعض ملامح الديمقراطية المباشرة والتشاركية والتداولية والإلكترونية وغيرها بهدف تمكين الجماهير وإشراكهم في عملية اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتجنب عيوب الديمقراطية التمثيلية. وقد ساعد التقدم في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، بجانب اتساع المدن وتزايد عدد السكان وبروز دور الشباب، في الاهتمام بكل الطرق الممكنة التي يمكن أن تسهم في تمكين فئات أكبر من الجماهير.

وفي مصر –وربما غيرها من الدول العربية التي تمر بعمليات تغيير سياسي- ليس من الحكمة انتقاد الديمقراطية التمثيلية قبل الوصول إليها "بشكل صحيح"، ولا يمكن "تعليق" مشكلات "الإدارة السيئة" للمرحلة الانتقالية على هذه الديمقراطية التمثيلية. فالمشكلة ليست في الديمقراطية، على ما بها من عيوب، وإنما في فهمنا الخاطئ لها ولمضامينها وضماناتها وفي كيفية بنائها من جهة وفي إدارتنا السيئة والفاشلة للمرحلة الانتقالية من جهة أخرى وذلك على النحو الذي سنعرض له فيما يلي.

كيف تبنى الديمقراطية التمثيلية في المراحل الانتقالية؟

وهنا نلقي الضوء على بعض المحددات ذات الصلة بطبيعة عملية بناء النظام الديمقراطي في المراحل الانتقالة. وهذه المحددات ليست افتراضات نظرية كما يظن البعض وإنما هي خلاصات مستمدة من حالات التحول الديمقراطي في العقود الأربعة الماضية:

أولا- هناك أهمية لحسم مضامين المفاهيم الرئيسة للديمقراطية، وأسس وآليات التحول الديمقراطي، وطبيعة المراحل الانتقالية التي هي مراحل تأسيس وبناء وترتيب أولويات ومشاركة وتوافق وليس منافسة وصراعات وأوزان حزبية. وللأسف في مصر تحديدا غابت هذه الأمور نظرا لأن من تصدر المشهد السياسي من شخصيات (سياسيين ومتابعين وباحثين) لا يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة ذات الصلة بالتحول الديمقراطي ولا الحد الأدنى من مهارات الممارسة السياسية لقادة التحول الديمقراطي. وقد أدى هذا إلى خلط الكثير من المفاهيم وإلتباسها وتعقد عملية التحول ورفع تكلفته.

ثانيا: عملية بناء الدولة الديمقراطية ليست مجرد إجراء الانتخابات، فالانتخابات هي ذروة الديمقراطية وليست الخطوة الأولى كما كتب الكثير من الباحثين الثقاة في التحول الديمقراطي. وفي مرحلة التأسيس لابد من الاهتمام بالحد الأدنى الضروري لكل لبنة من لبنات الديمقراطية المشار لها سلفا، فلا يمكن القفز على لبنة منها ظنا بعدم أهميتها أو بأن الوقت كفيل بمعالجتها. كما لابد من الاهتمام بترتيب الأولويات، فلا يمكن وضع دستور مع إقصاء تيار سياسي بالكامل، ولايمكن عقد انتخابات على أسس دستورية وقانونية مرتبكة أو غير متفق عليها أو مع عدم وجود مؤسسة قضائية مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية، ولا يمكن تصور منافسة انتخابية حقيقية قبل التوافق على ضوابط العمل الحزبي والدعاية الانتخابية وتمويل الحملات وغيرها.

ثالثا: ويعني هذا أن علمية الانتخابات لابد أن يسبقها توافق القوى السياسية عبر الآليات المجربة تاريخيا (تكتل وطني، مؤتمر وطني، مائدة حوار وطنية حقيقية)، وليس من خلال انفراد مؤسسة أو فريق واحد، وليس عن طريق الأوزان النسبية الناتجة عن الذهاب المتسرع للانتخابات بدون توافق كما حدث في مصر. والتوافق هنا يكون على أسس الدولة الديمقراطية وقواعد التفاعلات السياسية قبل الذهاب إلى الصناديق وعلى عدم تسييس ما لايجب أن يُسس (الدين والجيش والقضاء والإعلام). وأثبتت الحالات أنه من الصعوبة أن تسقط الشرعية الدستورية الناتجة عن أى آلية -تستند إلى التوافق والمشاركة والرضا المجتمعي- أمام أى قوة قاهرة، أما الشرعيات التي تبنى على أسس واهية وبالمخالفة لسنن الكون في التغيير فتكون عُرضة لمخاطر جمة من الداخل والخارج.

رابعا: عملية بناء نظم حكم ديمقراطية بديلة ليست مجرد عملية نقل من الآخرين أو اختيار نظام من بين أنظمة الحكم المعروفة (الرئاسية، والبرلمانية، وشبه الرئاسية). وإنما هي عملية تبدأ من واقع المجتمع ذاته وأوليات المرحلة التاريخية، وتمر بتجارب الدول الأخرى للاستفادة وأخذ الدروس، ثم تنتهي بترجمة أهداف التحركات الشعبية إلى ترتيبات مؤسسية وأطر قانونية ودستورية وسياسية تشكل مجتمعة ملامح النظام السياسي الديمقراطي المنشود. ولاشك أن هذه العملية لاتتجاوز الخصائص المشتركة للديمقراطية والحكم الرشيد التي ثبت نجاحها في الغرب وخارج الغرب، كما أنها لاتتجاهل قيم ومعتقدات الشعوب.

خامسا: تشهد عمليات التحول الديمقراطي الناجحة تركيزًا على هدفٍ استراتيجي واحد، غالبًا ما يكون له علاقة بتغيير جوهر النظام القديم، على أن يتم بعد هذا فتح الملفات الأخرى الشائكة تدريجيًا على يد حكومة منتخبة تمتلك شرعية شعبية قوية وأدوات دولة فعّالة من برلمان وقضاء ومجالس رقابية وغيرها. ففي جنوب أفريقيا كان الهدف الاستراتيجي هو الحقوق المتساوية والنظام التعددي، وفي أوروبا الشرقية كان التعددية وعدم احتكار حزب واحد للسياسة، وفي أمريكا اللاتينية كان خروج الجيوش من السلطة وبناء حكومات مدنية.

سادسا: ما حدث في حالات أخرى هو أن يتم بعد تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي استكمال البنيان الديمقراطي وتقوية الديمقراطية تدريجيا حتى (1) يتم رفع وعي الجماهير، و(2) تعبر الديمقراطية عن الناس وقيمهم وعاداتهم وعقيدتهم، و(3) يتساوى الجميع فعلا أمام القانون دون أدنى تمييز ولاتكون هناك مؤسسات سيادية ولا طوائف وظيفية كما كانت الحال إبان النظام قبل 2011، و(4) يشترك الجميع في تقرير مصيرهم واختيار السياسات التي تحقق مصالح الجميع وليس مصالح فئات محددة، و(5) تصبح كافة فئات المجتمع بلا استثناء هي المستفيدة من كافة قرارات السلطة. وفي أدبيات الديمقراطية الكثير والكثير في هذا المجال.

سابعا: بالرغم من أن عملية التغيير الثوري تمثل فرصة للتغيير الشامل، إلا أنها عملية صعبة ومعقدة؛ لأنها تشهد في معظم الحالات فتحًا للعديد من الملفات وارتفاعا في حجم التوقعات. وعادة ما تنجح الثورات عندما يتم تغيير نمط ممارسة السلطة، أى عندما تنتقل السلطة من يد فئة صغيرة (كانت تعمل لمصالحها الضيقة) إلى فئات وطبقات متعددة من الشعب (لتعمل لأجل فئات أوسع من المجتمع سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا). ويتم هذا عادة عبر وجود طليعة ثورية وطنية تفهم معنى الثورة وطبيعة المرحلة ومخاطرها، وتهتم –ليس بانتخاب رئيس مُخلص– وإنما بإقامة المؤسسات التى تكون وظيفتها تقييد سلطة الحكام بالدستور والقانون، وحماية حريات المواطنين، وتمكينهم من المشاركة في السلطة، ووضع سلسلة طويلة من المحفزات والجزاءات فى شكل قواعد دستورية وقانونية وإجراءات وقيم وآداب عامة لدفع الحكام والمحكومين إلى الإلتزام بالمصلحة العامة للمجتمع والتقيد بالقانون والقضاء على الامتيازات وردع المخالفين. وقد تم هذا الأمر في دول مثل انجلترا وفرنسا نتيجة صراع طويل، إذ عادة ما تتواجد جبهتان، واحدة تناضل من أجل التغيير وأخرى تقاومه. ومن الصعوبة تصور أن النخب القديمة ستتغير وتقود التغيير، وإذا عدنا للتاريخ فلن نجد ديكتاتورًا عدّل قناعاته وصار ديمقراطيًا، ولن نجد فئة كانت جزءًا من نظام تسلطي وغارقة فى الامتيازات ثم قامت ببناء دولة الحريات والقانون.

هل يمكن للانتخابات أن تجهض الثورة والديمقراطية؟

هناك مصطلح حديث في أدبيات التحول الديمقراطي هو "الثورات الانتخابية" والذي أطلق على بعض الثورات والانتفاضات في مطلع الألفية الجديدة. وما يحدث هنا هو حصر الديمقراطية ومطالب الثورة في الانتخابات واختيار الحكام بدلا من الاهتمام بكل أركان الديمقراطية المشار لها سلفا وبمتطلبات معالجة القضايا الشائكة الأخرى. أي التسرع في إجراء الانتخابات على أسس دستورية وقانونية مرتبكة ولم تحظ بقدر كاف من التوافق والمشاركة، وعدم الاهتمام بالاستحقاقات الأخرى. فتكون النتيجة هي قيام الانتخابات بتعقيد المشهد السياسي والمساهمة في إجهاض الثورات والمطالب الديمقراطية، وذلك لأن النخب القديمة -التي كانت تعمل في ظل النظام التسلطي- تكون هي المستفيد الأكبر، ومن ثم تستطيع العودة من جديد إلى صدارة المشهد بما تمتلك من شبكة علاقات ونفوذ ومال وإعلام. والمشكلة هنا ليست في الأشخاص أنفسهم، وإنما في ثقافتهم وطرق تفكيرهم وأولوياتهم التي غالبا لا تتفق مع مطالب التغيير والثورات وتكون غير قادرة على الخروج من نظام الامتيازات والفساد.

وحتى لو وصلت نخب من المعارضة إلى الحكم فإنها لن تستطيع مواجهة المشكلات الأساسية للمجتمع لعدة أسباب منها (1) انشغالها بالتنافس مع الآخرين وحماية الأوزان النسبية الناتجة عن الانتخابات، و(2) مواجهتها بمعارضة شرسة من الأحزاب المنافسة ومن القوى القديمة المناوئة للديمقراطية سواء من الداخل أو الخارج، و(3) ضعف حكم القانون ومؤسسات الرقابة والمحاسبة والبرلمان وغيرها. والآلية التي ثبتت صلاحيتها في مواجهة هذه التحديات هي آلية تكتل القوى الوطنية أو اتفاقها على الحد الأدنى للدولة الديمقراطية وتقوية حكم القانون والقضاء والبرلمان ومؤسسات خلال المرحلة الانتقالية وقبل التنافس الإنتخابي.

ويمكننا هنا المقارنة بين حالة الدول التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي، كجورجيا وأكرانيا وكازاخستان، وحالة دول شرق أوربا منذ عام 1989. ففي حالة أوربا الشرقية قامت تحركات شعبية أدت إلى تغييرات في بنية السلطة وظهور ديمقراطيات تمثيلية حقيقية لعدة اعتبارات أهمها التركيز على بناء النظام الديمقراطي بكافة لبناته (حكم القانون، استقلال القضاء، التعددية السياسية، فصل السلطات، تقوية الأحزاب والمجتمع المدني..)، بجانب عوامل أخرى بالطبع أهمها وجود ممارسة ديمقراطية قديمة، ووجود دعم خارجي قوي من الغرب، ودور ايجابي لعامل دول الجوار. أما في الدول الأخري فقد كان التركيز على إجراء الانتخابات لحلول حكام جدد محل الحكام القدامي دون اهتمام قوي بتقوية حكم القانون ودولة المؤسسات ولا تقوية القضاء والأحزاب والمجتمع المدني، فكانت النتيجة أن عادت النخب القديمة بأشكال جديدة وظلت الممارسات التسلطية القديمة ولم تنتقل هذه الدول إلى مصاف الدول الديمقراطية. ولا شك أن العامل الخارجي وعامل دول الجوار لعبا دورا سلبيا في هذه الحالات.

وتقترب الحالة المصرية في مرحلتها الحالية –وربما حالات عربية أخرى- من حالة الثورات الانتخابية تلك من حيث أن هناك ممانعة خارجية (إقليمية ودولية) للديمقراطية المصرية، ومن حيث عدم إدراك النخب والقوى السياسية أهمية ترتيب الأولويات وأهمية وضع الأسس الدستورية والقانونية والمؤسسية بأكبر قدر من التوافق والمشاركة سواء في مرحلة المجلس العسكري الأولى (فبراير 2011 حتى انتخابات الرئاسة 2012) أو خلال المرحلة التي تلت 30 يونيو 2013 وحتى اليوم. ففي المرحلتين انفردت السلطة بوضع هذه الأطر دون تشاور حقيقي ودون إدراك لأهمية وسنن البناء والتأسيس. وكان الاهتمام في المرحلتين بشغل المناصب ولا سيما منصب رئيس الجمهورية عن طريق إجراء الانتخابات ثم اسناد سلطتي التشريع والتنفيذ له. وتزداد الأمور صعوبة عندما تجرى الانتخابات في ظل انقسام سياسي وحراب أهلي كما الحالة بعد 3 يوليو 2013.

ففي المرحلة التي تلت 11/2/2011 انفرد المجلس العسكري بالحكم وتسابقت القوى السياسية على وضع أجنداتها الحزبية أمام المصلحة الوطنية الجامعة، ولم تتخلص من شكوكها المتبادلة، ثم رتبت كل مواقفها واختياراتها على هذا الأساس. وصارت المباراة صفرية بين فصائل لا تقرأ الواقع جيدا، ولا تريد فهم سنن الانتقال الديمقراطي، ويتصور كل طرف منها أنه يمتلك الحل وأن منافسه لا يستحق أن يكون في المشهد السياسي. ودخلت البلاد في جدالات عقيمة حول قضايا جانبية، ولم تُتخذ أي خطوات حقيقية في الملفات الملحة كإصلاح الشرطة والقضاء والإعلام، ومعالجة الملف الاقتصادي/الاجتماعي، وانتهت المرحلة بتسييس مباشر للمؤسسة العسكرية من جديد.

أما بعد يونيو2013 فقد شهدت البلاد استقطابا سياسيا حادا وتم رسم مسار سياسي جديد بدون التيار الإسلامي كله تقريبا واعتماد الحل الأمني في التعامل مع المعارضين. وهذه سياسة لن تحقق نتائجها ولا أهداف الثورة، فتسييس الجيش خطر على الجيش ذاته وعلى الثورة والديمقراطية والبلاد بأكملها. وكان المطلوب هو اخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة بآليات ووسائل متدرجة تؤدي في النهاية إلى تقوية الجيش والديمقراطية معا. فالديمقراطية لا تمثل أبدا خطرا على الجيش، بل على العكس تماما هي مصلحة عليا له، كما أنها ليست خطرا على الأمن القومي، وذلك بالطبع إذا تم انجاز البناء الديمقراطي السليم بكافة قيمه ومؤسساته وضماناته وتم إدراك سنن التغيير ومخاطره. والأمثلة هنا تضم دولا صارت جيوشها أقوى بعد تحولها إلى الديمقراطية، مثل اسبانيا والبرازيل وجنوب افريقيا والأرجنتين وكوريا الجنوبية وفنزويلا وغيرها، مقابل الدول التي تم فيها تسييس الجيش فدخلت في حروب أهلية أو إقليمية وتم إضعاف الجيوش والدول معا كما في بنغلاديش وباكستان وفيجي وبورما وتايلند والجزائر والسودان ونيجيريا وغيرها. أما اعتماد الحل الأمني والإقصائي فمخاطره كثيره، فالدم لا يجلب إلا الدم ويدفع الآلاف من الشباب إلى العنف ولو بعد حين، ولا يمكن بناء نظام حكم ديمقراطي مع إقصاء فصيل سياسي بالكامل. وتجارب تركيا والجزائر وليبيا مهمة للغاية، فقد ضُرب التيار الإسلامي بقوة لكنه ظل قائما بل وعاد في بعضها وبقوة بعد دفع ثمن كبير.

خلاصتان:

الأولى: على القوى والنخب السياسية العمل لأجل الوصول إلى نظام ديمقراطي حقيقي بكافة مبادئه ومؤسساته وضماناته أولا ثم العمل من أجل تحسين هذا النظام وترقيته ومعالجة كافة الثغرات والتوترات التي أفرزتها الديمقراطيات المعاصرة في الغرب. والمهم هنا أن نبني كل أركان الديمقراطية وألا نصطدم بسنن الكون في إدارة المراحل الانتقالية وإنجاز التغيير السياسي، وألا نقع أسرى الوهم القائل بأن حالتنا فريدة عن غيرها من الحالات، فكم من دول عانت من مشكلات وتحديات أكبر مما نحن فيه واستطاعت الخروج منها بعد أن تهيأت لها نخب وقيادات تقرأ الواقع جيدا وتفهم سنن الانتقال وتهتم بما يؤسس لنظام ديمقراطي حقيقي.

الثانية: إنّ بناء نظم الحكم الديمقراطي البديل يتطلب توافق القوى السياسية على الحد الأدنى الديمقراطي من خلال تشكيل جبهة لأصحاب المصلحة في الديمقراطية، تكون قادرة على القيام بعدة وظائف محورية، أهمها: تعرية الممارسات الإستبدادية والإفسادية؛ ورفع وعي الناس بأهمية الديمقراطية كنظام بديل لنظام الإستبداد والفساد؛ وتعزيز طلبهم على الديمقراطية وتعبئتهم من أجلها؛ والاتفاق على أسس وقواعد وقيم النظام الديمقراطي البديل وذلك بما يتفق مع أولويات المجتمع وقيمه؛ بجانب الاتفاق على السبيل أو المسار المؤدي إلى هذا الهدف. هذا النوع من التكتل هو وحده القادر على مواجهة من يقاوم التغيير ويرى في الديمقراطية خطرًا على مصالحه ويريد العودة إلى النظام القديم لتحقيق الأمن والإستقرار، كما أنه قادر على التعامل مع ممانعة الخارج لعمليات التغيير من خلال وحدة الصف الداخلي والوقوف بوعي ضد أي تدخلات خارجية.

المصدر: عبدالفتاح ماضي، الثورات والديمقراطية، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، عدد 55، يوليو 2014.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث