الأثنين، 22 ربيع أول 1439 - 11 كانون أول / ديسمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

ليس دستور الثورة الدائم

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

law

بالنسبة لي لا يمكنني قبول الوثيقة الدستورية التي انتهت لها لجنة الخمسين المعينة، ولم أكن أنتوي الكتابة عنها بالتفصيل لولا مطالب البعض لي بإبداء الرأي...وفيما يلي شهادتي في الأمر.

عيوب هذه الوثيقة أكثر من محاسنها ومشكلاتها أكبر بكثير من مشكلات دستور 2012. والأسباب كثيرة، ومنها:

أولا: أسباب متصلة بطريقة وضع الدستور:

1. تم وضع الدستور وسط انقسام شديد لم يشهده المجتمع المصري من قبل، وفي ظل إقصاء فصيل بالكامل واستهدافه أمنيا وقضائيا وإعلاميا..

2. لم يتم التوافق على اللجنة المعينة التي وضعته ولا على الإجراءات التي تبنتها اللجنة في وضعه..

3. لم يخضع لنقاش مجتمعي حقيقي..

ثانيا: أسباب متصلة بنظام الحكم: فبرغم وجود نصوص جيدة في باب الحريات وغيره إلا أن هناك مواد أخرى فرغت الكثير من المواد الرئيسية للدستور من مضامينها:

1. سلطة الشعب ليست نهائية في الدستور، إذ يعلوها أو يوازيها سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وسلطة القضاء..

2. صارت المحكمة الدستورية تختار قضاتها دون أي رقيب من سلطة الشعب التي هي أعلى من سلطة القضاء.. وهناك أمور أخرى في التعيينات والميزانية تؤكد عدم رقابة خارجية عليها من الشعب عبر البرلمان كما هو متعارف عليه.. ما ضمانة أن يتم اختيار قضاة لا يرون ضرورة لدعم الديمقراطية الآن لأي سبب كما حدث في دول أخرى عندما عرقلت المحاكم العليا أو الدستورية التحول الديمقراطي؟ واحدة من الضمانات المتعارف عليها في بعض النظم هي تصديق البرلمان على تعيين قضاة هذه المحاكم ووجود رقابة خارجية من البرلمان على أداء كل مؤسسات الدولة الأخرى بلا استثناء..

3. الإبقاء على ما جاء بدستور 2012 بشأن وجود ثلاثة مجالس عسكرية أو يغلب عليها الطابع العسكري بصلاحيات تعلو أحيانا سلطة المؤسسات المنتخبة أو بمواد فضفاضة تحتمل تأويلات مختلفة.. لمعالجة العلاقات المدنية العسكرية سنن كونية منها أنها يجب أن تتم بعيدا عن النصوص الدستورية، وعلى يد كافة القوى السياسية الرئيسية، وبشكل تدريجي، ومعلن، وشفاف، وبما يؤدي في النهاية إلى تقوية الجيش والديمقراطية معا..

4. لن يكون النظام السياسي فعالا مع وجود ثلاثة رؤوس (ألرئيس ووزير الدفاع ورئيس الحكومة) وبعلاقات غير متوازنة بين البرلمان والرئيس والحكومة، أهمها وفتح الباب من خلال القانون لإضافة شروط أخرى للترشح للرئاسة، وإعطاء الرئيس حق تعيين 5 بالمائة من أعضاء البرلمان، وحذف إلزامية نتيجة الإستفتاء الذي يدعو له الرئيس مما يفتح الباب لتأويلات مختلفة، وتقييد سلطة المؤسستين التنفيذية والتشريعية في اختيار وزير الدفاع والموافقة عليه، وغير ذلك..

5. التوسع في القوانين المكملة للدستور والتي تتطلب موافقة ثلثي عدد أعضاء مجلس المجلس، لتشمل "القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية، والأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، والمتعلقة بالجهات والهيئات القضائية، والمنظمة للحقوق والحريات..". هذا سلاح ذو حدين وفي التطبيق قد يتعذر هذا مما يؤدي إلى الجمود..

6. تقييد البرلمان في إصدار القوانين التي تخص القضاء وغير ذلك..

7. أما حق البرلمان في إجراء انتخابات رئاسية مبكرة فخلل جسيم لأن البرلمان لم ينتخب الرئيس حتى تسند إليه محاسبته، وكان الأصوب إسناد هذا الأمر للناخبين بضوابط معينة كما الحال في فنزويلا وفي بعض الولايات الأمريكية..

8. محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية مما يفتح الباب لاستهداف المعارضين..

ثالثا: أسباب متصلة بمواد قد تفتح الباب لتأويلات مختلفة قد تضعف النظام أو تعود بنا إلى ما قبل 25 يناير:

1. عودة الندب الجزئي للقضاة مما يفتح باب الفساد وشراء الولاءات..

2. إضافة عبارة مثل "ويؤخذ رأيها في القوانين المنظمة لها" في حالة القضاء أو "ويجب أخذ رأيها في أي قوانين تتعلق بها" كما في حالة الشرطة.. قد تفتح الباب لوصاية هذه المؤسسات على سلطة الشعب ممثلة بالبرلمان وقد تمهد الطريق لدولة بها طوائف وظيفية كما كتبت من قبل.. الأصوب هو عدم النص على ذلك، إذ في واقع الأمر لا تعديل لأي نص إلا بعد التواصل والتشاور مع أصحاب المصلحة. وإذا كان هناك منطق من وراء ذكر هذا في بعض الوظائف فما هو منطق تجاهله مع وظائف أخرى؟

3. عبارات مثل "تمثيل ملائم" للعمال، و"تمثيل مناسب" للشباب والأقباط وذوي الإعاقة والمصريين بالخارج عبارات فضفاضة فمن سيحدد المناسب..

4. عبارة ولاء الشرطة للشعب عبارة فضفاضة أيضا وكان يجب إما أن يكون الولاء "للشعب ولمؤسساته المنتخبة والدستور والقانون" أو الولاء "للدستور والمؤسسات المنتخبة".. فالشعب في الدستور يمثله ما توافق عليه الشعب في الدستور والمؤسسات التي تمثله وهي البرلمان وأي مؤسسة أخرى منتخبة كالرئاسة.. وهذا هو المتبع في دساتير ديمقراطية عدة..

5. لماذا تم تغيير مادة استقلال الجامعات الى ما يفيد أن الدولة تكفل استقلال الجامعات "وفقا للقانون"؟

6. لماذا إلغاء مواد الوقف، وإضافة كلمة (الوقف) مرة واحدة ضمن مادة الملكية؟

7. حظر الأحزاب على أساس ديني كان يحتاج الى توضيح ما المقصود بالأساس الديني. أما النص الحالي فقد يفسر في المحكمة الدستورية بأشكال مختلفة.

رابعا: ترحيل قضايا جوهرية إلى الرئيس المؤقت، مثل نوع النظام الانتخابي، وترتيب الانتخابات (الرئاسية أم البرلمانية أولا)، وتمثيل الشباب والمرأة والأقباط في الانتخابات القادمة.. من المفترض ألا ترحل هذه الأمور الجوهرية إذا كانت الهيئة تأسيسية بالفعل وسيدة قرارها..

خامسا: حذف أمور كانت في دستور 2012 دون تبرير أو تفسير ولاسيما في مجال مكافحة الفساد، واستقالة الرئيس في حالة رفض طلبه في استفتاء حل البرلمان، والحفاظ على اللغة العربية في مادة الإعلام، والمواد التي تشير إلى الأخلاق والآداب العامة.. وبينما تم تجريم الإعتداء على العَلَم والآثار ألغيت المادة الخاصة بالإساءة للأنبياء..

سادسا: الديباجة إنشائية ولا تليق بنا، كما أنها ألغت نصوصا جيدة كانت في ديباجة دستور 2012 مثل حيدة واحترافية المؤسسة العسكرية وعدم تدخلها في السياسة، ووضع حكومة مدنية بدلا من دولة مدنية، وغير ذلك.

سابعا: من الناحية الشكلية، بالوثيقة أخطاء لغوية وأخطاء في الأسلوب أشارت لها بالتفصيل مقالة بالصفحة الخامسة من الأهرام (عدد 9 ديسمبر2013).

وأخيرا، من المؤلم جر الشعب ثلاث مرات لصناديق الإستفتاء على وثائق دستورية دون أن يسبق هذه الوثائق الحد الأدنى من التوافق بين القوى السياسية حول أسس الحكم ومعالم النظام الديمقراطي المنشود، ودون أن يتبعها حوار مجتمعي حقيقي يسمح بالنقاش وإبداء الرأي ثم التعديل في الوثيقة قبل الذهاب للصناديق.

في السابق حسمت رأيي بالتصويت بلا على تعديلات مارس 2011 وعلى دستور 2012، مؤكدا أن هذه الوثائق لن تساعد في الحل وستعمق المشكلات، ومحذرا من تكرار الأمر.. وها هم يكررون الأمر مرة أخرى وبأخطاء أكبر، ولهذا أتوقع إذا مُرر هذا الدستور أن يكون جزءا من مشكلة أكبر وأن يدخلنا في نفق أكثر إظلاما، وسيطالب الشعب بتغييره قريبا. والله أعلم.

11 ديسمبر 2013