الأثنين، 22 ربيع أول 1439 - 11 كانون أول / ديسمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات المسلمون والديمقراطية: محاولة أخرى للفهم

المسلمون والديمقراطية: محاولة أخرى للفهم

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

كيف يمكن جسر المسافة بين التيارين المختلفين حول علاقة الديمقراطية بالإسلام؟ أي بين  التيار الذي يرى أن الديمقراطية تخالف الإسلام، والتيار الذي يرى أن لا تعارض بينهما. إن معالجة هذه الإشكالية متطلب أساسي لإنجاز التغيير السياسي الذي ينقل عالمنا العربي من نظم الحكم المطلق إلى نظم حكم مقيدة بالدستور وبالمصلحة العليا للمجتمع، أي إقامة حكومات مسؤولة، تأتي من الجماهير وبإرادتها، وتعبر عن آمال وتطلعات هذه الجماهير، ويمكن لهذه الجماهير مراقبتها ومحاسبتها وإقالتها عند الضرورة.


هذه الأزمة هي أزمة فهم في الأساس، فهم النظام الديمقراطي. فقد استند البعض إلى قراءات انتقائية أو سريعة للديمقراطية كفكرة وكممارسة ونظام للحكم. كما لا يمكن اغفال دور بعض الباحثين الغربيين الذين يصرون على نقل النظام الديمقراطي وكأنه نظام غربي النشأة والصنعة والتطور وهذا أمر غير صحيح، ويصرون أيضا على ضرورة ربطه بالفلسفة الليبرالية الغربية وبضرورة فصله عن القيم الثقافية المحلية وهذا أمر غير دقيق وغير ممكن حدوثه في الواقع من وجهة نظري. 


وللديمقراطية إشكاليات كثيرة منها علاقتها بالعلمانية وبالرأسمالية واشكاليات التمثيل والانتخابات وجماعات الضغط وغير ذلك. لكن ما سنعالجه هنا تحديدا هو علاقة الديمقراطية بالليبرالية وبالمرجعيات العليا تحديدا، وذلك بتوضيح العلاقة بين الديمقراطية وفهم بعض المسلمين لها عبر استخدام أربعة مفاهيم أساسية من مفاهيم علوم السياسة المعاصرة، وهي السلطة السياسية، مشكلة الاستبداد السياسي، النظام السياسي، ومرجعية النظام السياسي.


السلطة ومشكلة الإستبداد 


أولا: تعرف السلطة السياسية باعتبارها قدرة الهيئات الحاكمة على تنظيم الحياة العامة في المجتمع من خلال صنع القرارات العامة التي تستهدف المصلحة العامة للمجتمع والتي تتمتع بقوة النفاذ بالإكراه المادي عند الضرورة، وعلى اعتبار أن هذه القدرة تتمتع بالشرعية الشعبية أي برضا المواطنين عنها. ويترجم هذا الرضا الشعبي بمشاركة الشعب في اختيار هذه الهيئات الحاكمة وفي مراقبتها ومحاسبتها. وبرغم الطبيعة الخيرة للسلطة في الأصل، إلا أن تاريخ المجتمعات البشرية شهد خروج الكثير من الحكام على هذا الهدف واستبدادهم بالسلطة وقمع حريات الأفراد وتحقيق مصالح فئة معينة على حساب المصلحة العامة للمجتمع.


ثانيا: تسمى مشكلة انحراف القائمين على السلطة عن وظيفتها الأساسية مشكلة الاستبداد السياسي التي ما عانى منها شعب من الشعوب إلا واقترنت بها آفات أخرى كثيرة أهمها الفساد والتخلف والتبعية للخارج. ولقد اجتهد المفكرون والفلاسفة والباحثون عبر العصور في معالجة هذه المشكلة. كما قدمت الديانات السماوية الكثير من الحلول. وكان للإسلام الفضل في تقديم الكثير من الأسس التي تعالج هذه المشكلة، منها ضرورة التقيد بقانون مسبق يتساوى أمامه الجميع، والعدل، وحق مقاومة الظلم والجور، والشورى، وغير ذلك من أسس صارت تسمى أسس الحكم في الإسلام. وقد وضع المسلمون الأوائل هذه الأسس موضع التطبيق في بعض العصور وخالفوها في عصور أخرى.


النظام السياسي ومرجعيته العليا


ثالثا: أما النظام السياسى فله تعريفات متعددة، لكن التعريف الأكثر دقة من وجهة نظري هو التعريف الذى يعتبر النظام السياسى مكونا من شقين إثنين، هما المؤسسات السياسية الرسمية (السلطتان التشريعية والتنفيذية)، والمرجعية العليا لهذه المؤسسات.


وتُستمد المرجعية من الأطر الثقافية والحضارية والأيديولوجية للمجتمع، وتتضمن القيم والمبادئ العليا والغايات النهائية للمجتمع، وتحدد أولويات المجتمع فى مرحلة تاريخية معينة. وقد كان طبيعيًا أن تختلف مرجعيات النظم باختلاف الحضارات والثقافات من مجتمع إلى آخر، وفي نفس المجتمع من وقت إلى آخر. ففي الغرب هناك الإيديولوجية الليبرالية، وفي ألمانيا الهتلرية كانت النازية، وفي إيران اليوم يوجد الإسلام الشيعي وهكذا. ولهذا نقرأ في كتب تاريخ النظم السياسية كيف أن الأوضاع الثقافية والحضارية والدينية والجغرافية والتاريخية أثّرت في الأنظمة السياسية التي عرفتها المجتمعات بدءًا من مصر وسومر مرورًا ببلاد فارس واليونان والرومان وانتهاءً بالعرب والعثمانيين والأوربيين والأمريكيين. وفي القرن العشرين، وراحت النظم توصف بأسماء أيديولوجياتها وثقافتها، أي بمرجعياتها العليا، فوجدنا نظمًا سياسية ماركسية، وأخرى نازية، وثالثة ليبرالية.


أما المؤسسات السياسية (المنظمة عبر أطر دستورية وقانونية)، فهي قيم وهياكل وقواعد وإجراءات وممارسات مقننة، وُضعت من أجل إدارة الصراع أو التدافع بين التيارات والرؤى المختلفة بطرق سلمية، ومن أجل تحديد آليات وتفاصيل عملية الحكم، مثل شروط ومؤهلات الحكام والموظفين العموميين، وكيفية اختيارهم (أي طرق الترشح والانتخاب)، وطرق مراقبتهم ومحاسبتهم وإقالتهم عند الضرورة، ومن أجل معرفة كيفية قيام هؤلاء الحكام والموظفين العموميين بأداء مهامهم مثل صنع القرارات وتنفيذها ومتابعتها وتقويمها.


وتوضع دساتير الدول وقوانينها إعمالا للمرجعيات العليا، وتقام المؤسسات والهياكل من أجل تنفيذ تلك الدساتير والقوانين. ومن ثم فليس من المتصور، مثلا، أن يصدر عن السلطة السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة أو في فرنسا قانون يخالف قيمة جوهرية من قيم الفلسفة الليبرالية (المرجعية العليا للنظم السياسية هناك) كقيمة حرية الرأي أو الملكية الخاصة، كما ليس من المتصور أن يصدر قانون في إيران مخالفًا لما جاء في مرجعيتها العليا، وهكذا.


رابعا: من بين الحلول الكثيرة التي ظهرت في هذا الصدد تُمثل النظم الديمقراطية الشكل الأوسع انتشارًا في وقتنا المعاصر. لقد ظهرت الديمقراطية تاريخيا كبديل لأنظمة حكم الفرد أو القلة، وبهدف محدد هو تقييد سلطة الحكام والحد من احتمالات تعسفهم، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وإدارة الصراع السياسي بطرق سلمية. وللديمقراطية تعريفات متعددةلا يتسع المجال لعرضها، غير أن المضمون الأكثر شيوعًا هو ذلك المتعلق بالشق الأول من تعريف عبارة “النظم السياسية”، أي بالقيم والهياكل والقواعد والإجراءات المتصلة بعمل مؤسسات الحكم.


وبهذا فالديمقراطية، كنظام للحكم، ليست مذهبا أو عقيدة سياسية أو مرجعية عليا، وإنما هى وسيلة لحل مشكلة الاستبداد وصيانة الحريات، ويرتبط بالشق الأول للنظام السياسى، لأنها مؤسسات وإجراءات وقواعد تنظم: (أ) عملية اختيار الحكام ومحاسبتهم، (ب) عملية اتخاذ القرارات وطرق تمكين المواطنين من المشاركة السياسية، (ج) وآليات وضمانات حماية الحريات والحقوق.


مرجعية النظام قيد على مشرعيه 


خامساللديمقراطيات المعاصرة مرجعيات عليا، تنص عليها الدساتير، ففي دساتير فرنسا إشارات إلى مبادئ الثورة الفرنسية الكبرى التي قامت على الايديولوجيا الليبرالية، وفي تعديلات الدستور الأمريكي بيان لأسس هذه المرجعية. وفي مجتمعات أخرى قد تكون هذه المرجعيات خليط من المبادئ المستمدة من ايديولوجيات متعددة، فالدستور الهندي به مبادئ ليبرالية وأخرى اشتراكية وثالثة محلية وهكذا. وهكذا تسير الأمور في كثير من الحالات في الشرق والغرب.


وتعد هذه المرجعيات قيدا على المشرعين، ففي الغرب مثلا، تمثل الليبرالية قيدا على المشرع. وقد طُورت هناك مجموعة من الضوابط اللازمة لهذا المبدأ، منها وضع دساتير لا تتناقض مع المرجعية العليا التي تستند إليها تلك الدساتير والأنظمة، وتبني نظام للمراجعة القضائية للنظر في مدى دستورية القوانين وعدم تناقضها مع مبادئ وثوابت المرجعية العليا. فكما أشرنا لا يمكن للمجالس التشريعية أن تسن تشريعات تخالف أسس الفلسفة الليبرالية، ولو ظهرت قوانين بهذا الشكل فإن هناك محاكم دستورية أو فيدرالية عليا تقضي بعدم شرعية هذه القوانين.


ومن الأهمية الإشارة إلى أنه ليس ضروريا أن ترتبط الديمقراطية بأيديولوجية واحدة، صحيح أنها ارتبطت بالليبرالية فى الغرب وأن الممارسات الغربية قننت ببراعة الكثير من مضامينها، إلا أن هناك ممارسات متعددة للديمقراطية. كما أن انتشار الديمقراطية أثبت قدرتها على التعايش مع ثقافات وحضارات لا تستند إلى الليبرالية فقط، كديمقراطيات آسيا وأمريكا اللاتينية.


سادسا: ومن الأهمية الإشارة إلى أن الكثير من الشعوب لا تجد حرجا في التمسك بالديمقراطية كنظام سياسي، في الوقت الذي تتردد كثيرا في وصف هذا النظام الديمقراطي بالليبرالية. وذلك على اعتبار أن الليبرالية هي المرجعية العليا للمجتمعات الغربية (الإستعمارية سابقا)، وأن هناك قيم ومبادئ وأولويات محلية لا فرار من التمسك بها. والصحيح أن المرجعيات هي نتاج محلي ولا تستورد من الخارج، وهي، كما أشرنا من قبل، تستمد من الأطر الثقافية والحضارية والأيديولوجية لمجتمع محدد، وتتضمن القيم والمبادئ العليا والغايات النهائية لهذا المجتمع وأولوياته فى مرحلة تاريخية معينة.


المرجعية الإسلامية والديمقراطية 


سابعا: يمكن النظر للمرجعية الإسلامية على أنها تقوم بالوظيفة التى تقوم بها المرجعية الليبرالية بالغرب. وللمرجعية الإسلامية مقوم ثابت يتضمن المبادئ والقيم العليا والأحكام القطعية، التى تمثل قيدا على المشرع وتعمل كأساس مرجعى لأى نظام سياسى يراه الناس مناسبا فى زمان محدد، ومنها العدل والحرية والشورى ومقاومة الجور وغيرها. وهناك مقوم متغير هو سبل إعمال هذه القيم فى الواقع. ولهذا اختلفت طرق اختيار الحكام وأساليب الشورى عند كل من الرسول عليه الصلاة السلام وأبى بكر وعمر. وهذا ما يجعل الإسلام دينا صالحا لكل زمان ومكان، ولهذا أيضا دخلت أمم وشعوب شتى الإسلام باختلاف ثقافاتهم وعاداتهم.


ولا تتعارض الديمقراطية، كنظام للحكم، مع مبادئ وأسس هذه المرجعية العليا. فالشريعة كإطار مرجعى أعلى تحدد القيم والمبادى الحاكمة للسلطة فقط، أما آليات وإجراءات ممارسة السلطة فهى تتغير بتغير الزمان والمكان، وتُرك أمرها لمجال العقل والاجتهاد. كما لا تمنع المرجعية الإسلامية الاقتباس من الآخرين، فالحكمة ضآلة المسلم.


ثامنا: وجود مرجعية إسلامية للنظام لا يصيب السياسة بالجمود، فمبدأ الاتباع فى الدين والابتداع فى الدنيا من القواعد المهمة. ولقد شجع الرسول، عليه الصلاة والسلام، ابتكار أساليب العمران والإصلاح، فقال: «من سنَّ فى الإسلام سُنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شىء». كما فهم المسلمون الأوائل هذا الأمر وفعلوا أشياء لم يفعلها الرسول لأن أوضاع مجتمعاتهم ومصالح الأمة اقتضت ذلك، ككتابة المصاحف وضرب النقود وإدخال الدواوين والسجون ووضع التاريخ، مما استدل به الفقهاء على حجية المصلحة المرسلة.


ولا تعنى المرجعية الإسلامية أن الإسلام يقدم نصوصا جامدة ومُثلا غير واقعية، فهى ــ مع دمجها الأخلاق والواقعية ــ تعالج الواقع إذ إن الحرب خدعة، والضرورات تبيح المحظورات، ويجوز فى وقت الضيق والاضطرار ما لا يجوز فى وقت السَّعَة والاختيار، وارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين، واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وقبول الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما. بجانب أن بالمرجعية ضمانات أقوى من الضمانات الموجودة بالغرب، لربطها القيم والأهداف بإيمان الأفراد وعقيدتهم.


تاسعا: ولهذا لا أعتقد أنه من الصواب، كما يفعل البعض، الربط بين الليبرالية والديمقراطية في دولنا العربية، لأن هذا الربط يُفرق بين التيارات السياسية بدلا من أن يُقرب بينها. فقد يعنى عمليا تجاهل مطالب قطاعات عريضة من الشعب تنادي بممارسة الديمقراطية مع التمسك بهُويتها الثقافية والدينية. وقد يعنى هذا الربط أيضا ربط المجتمع بأولويات وأهداف الآخرين، وتجاهل أولويات المجتمع والتى قد تتضمن الحفاظ على الهُوية واللغة العربية ومقاومة الهيمنة الخارجية والغزو الثقافى ومواجهة التجزئة ومحاربة الفقر والأمية وتمكين العمال والمهمشين وغير ذلك. مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من أسس الفلسفة الليبرالية لا تتعارض أصلا مع الإسلام.


عاشرا: لكن ومن جهة أخرى، يجب على المنادين بهذه المرجعية (المستمدة من الإسلام) التخلى عن الخطاب الإقصائى، وإدراك أن المرجعية الإسلامية هى مصدر للقيم والمبادئ، وليست دستورا أو نظاما سياسيا أو برنامج عمل تفصيلي، وهى تحتاج آليات للتطبيق لا يمتلك أحد الحقيقة المطلقة بشأنها. وهذا المسألة تحتاج إلى تفاصيل أخرى بالطبع.


السيادة الشعبية والحاكمية


حادي عشر: لا يتناقض مفهوم سيادة الشعب مع مفهوم “السيادة لله”. فمبدأ السيادة الشعبية يهتم أساسا بمن يحكم؟ وكيف يحكم؟ أي أنه بدلا من شخصنة الحكم وتحكم فرد أو مجموعة أفراد في مقاليد الحكم، وبدلا من نظرية الحق الإلهي، أو استناد السلطة إلى مبدأ الاستخلاف أو الوراثة، تفصل الديمقراطية بين المجالين العام والخاص وتعمل على إنشاء نظام حكم يقوم على المؤسسات كبديل لتحكم فرد أو أسرة أو جماعة. ويعني هذا تحول الحكم إلى وظيفة لها قواعدها وضوابطها، يتولاها من يرى في نفسه القدرة على الحكم وتختاره جموع المواطنين.


واقترن مبدأ سيادة الشعب في التطبيق بمبدأ الحكم النيابي، إذ صار الناس ينتخبون هيئة تمثيليةً للقيام بصنع القرارات نيابة عنهم، وبقاعدة حكم الأغلبية مع حماية حقوق الأقليات، وبفكرة الفصل بين السلطات. وهناك تفاصيل كثيرة هنا.


وبعبارة أخرى يعني هذا المبدأ أنه لا سيادة فوق سيادة الشعب (فيما يتصل باختيار الحكام وعملية صنع القرار) من أي هيئة أو مؤسسة أخرى غير منتخبة كالمؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والدينية. وفي المقابل، تعلو في النظم الشمولية والتسلطية إرادة فرد أو طائفة أو فئة فوق إرادة الشعب، وفي الحكومات العسكرية تهيمن المؤسسات العسكرية والأمنية على مؤسسات الدولة التي تتحول إلى ديكور ديمقراطي شكلي.      


ومن الأهمية الإشارة مرة أخرى إلى أن اعتبار أن الشعب هو المصدر النهائي للسلطة لا يعني غياب المرجعيات، فكما أشرنا يوجد في الديمقراطيات الغربية المعاصرة مرجعية عليا لا يستطيع نواب الشعب تجاوزها وسن تشريعات تتعارض مع مبادئها العليا وقيمها الأساسية.


ثاني عشر: أما فكرة الحاكمية، فلا تجب المقارنة أصلا بينها وبين فكرة سيادة الشعب. فالله، عز وجل، هو بالنسبة للمسلمين خالق الكون وحاكمه ومُشرّع دينه وقيمه العليا لهداية كل البشر. وهذا أمر أسمى وأعلى من أساليب إدارة الصراع السياسي وصنع القرارات لتنظيم شؤون حياتنا الدنيوية. كما أن ما قصده المنادون بالحاكمية هو حاكمية قيم الشريعة الإسلامية وليس حكم ما يطلق عليهم رجال الدين. أي أن بمقدور الناس التشريع، بل هم مأمورين بهذا بحكم أنهم مطالبين بتعمير الأرض في كل زمان ومكان، وحسب نواميس الكون وسننه، لكن دون أن تتجاوز هذه التشريعات أسس الإسلام وقيمه ومبادئه العليا، ودون بالطبع وضع تشريعات تغير في العبادات والعقائد أو تحل حراما أو تحرم حلالا. أما القوانين المخالفة للإسلام التي سُنت في وقت سابق في دول ذات أغلبية سكانية مثل تونس وتركيا وغيرهما، فقد تمت في ظل نظم غير ديمقراطية، وغير مرتبطة، حقيقة، بقيم المرجعية الإسلامية. ومن ثم فلا يجب القياس عليها كما يعتقد البعض.


الديمقراطية ليست نهاية التاريخ  


ثالث عشر: الديمقراطية ليست هدفا في حد ذاتها وليست نهاية المطاف، وإنما هي نظام للحكم ووسيلة للوصول إلى مصالح المجتمعات وتحقيق الغايات الأكبر التي تتطلع لها هذه المجتمعات. وذلك على اعتبار أن الحكومات الديمقراطية هي الأنسب الآن في وضع السياسات واتخاذ القرارات التي تستهدف المصلحة العامة للشعوب وليس مصلحة أفراد أو فئات محدودة، وتحقيق شعارات الثورات العربية من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة، وصنع سياسات خارجية مستقلة، وذلك كله وصولا إلى أن تتبوأ الأمة مكانتها التي تليق بها بين الأمم بعد عقود من الاستبداد والفساد والتبعية للخارج.


والديمقراطية ليست النظام السياسى الأمثل، وإنما هي أفضل ما وصل إليه العقل البشري، وليس الأفضل، وأظهرت الممارسة عيوبا كثيرة تجتهد العقول لمعالجتها.


كما أنا الديمقراطية ليست آلة صماء كجهاز الحاسوب أو الهاتف. فعدا خصائصها العامة المشتركة أو جوهرها المشترك (حكم القانون، سيادة الشعب وليس الحكم الثيوقراطى أو العسكرى، المواطنة، والمشاركة السياسية)، فهى قابلة للتطوير والتعديل. وللديمقراطية أشكال متعددة (نيابية، توافقية، مباشرة، شبه مباشرة)، وهى غير قابلة للتصدير دون إجراء عمليات مواءمة بينها وبين الأطر المرجعية الثقافية للمجتمعات الأخرى.


وأخيرا لا يحتاج عالمنا العربي لنقل النموذج الغربى بأكمله، إننا نحتاج إلى ما يجمعنا لا ما يفرقنا، وما يجمعنا هو الاتفاق على الديمقراطية وجوهرها وخصائصها الأساسية، كطريقة لاختيار الحكام وحماية الحريات وفك عرى الإستبداد وصنع القرارات التى تخدم مصالح الشعب، مع احتفاظ كل تيار سياسى بمرجعيته العليا والتنافس عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية وطرق المشاركة السياسية المختلفة، وبضمانات متعددة على رأسها القضاء المستقل وهيئات الرقابة المستقلة الأخرى والمجتمع المدني القوي والإعلام الحر والمستقل. وسيكون هذا الاتفاق على النظام الديمقراطي بداية الطريق لمعالجة الإشكاليات الأخرى وبناء نهضتنا التي تليق بنا. والله أعلم. 


عبدالفتاح ماضي، المسلمون والديمقراطية: محاولة أخرى للفهم، مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، 28 أغسطس 2015. والمقال جزء من دراسة مطولة للكاتب ستنشر قريبا إن شاء الله. 

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث