الثلاثاء، 26 المحرم 1439 - 17 تشرين أول / أكتوبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات الربيع العربي وأسئلة الثقافة؟

الربيع العربي وأسئلة الثقافة؟

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

amman2014

يقدم البعض العامل الثقافي كعامل أساسي لتفسير تعثر دول الربيع العربي. فمفردات مثل جهل الشعوب وتدني مستويات الوعي لديهم وخلط الدين بالسياسة صارت تستخدم للوصول إلى خلاصة محددة هى أنه لا أمل في الحصول على الحرية في هذه المنطقة وأن المسألة في جوهرها مسألة ثقافة وأن علينا أن نخرج أولا من الجهل ثم نفكر في الحرية.

لا شك أن المطالبة بالتغيير وتعبئة الجماهير والضغط من أجل إقامة دولة القانون والمؤسسات والحريات تحتاج إلى طليعة على قدر من الوعي والفهم. وأظن أن الجيل الجديد من الشباب امتلك - بحكم تمكنه من أدوات العصر وتقدم تكنولوجيا الإتصال- هذا القدر واستطاع بالفعل تعبئة الشارع وراء مطالب التغيير بل وحرّك الشارع في ثورات سلمية في عدد من الدول العربية.

إلا أن هناك خطورة من تصور أنه يمكن تأجيل إقامة المؤسسات الديمقراطية حتى "ينضج" الشعب (كله أو معظمه) وترتفع ثقافته السياسية كما يردد الكثير من الحكام الشموليين أو يتصور البعض. إن الثقافة، كما أنها تؤثر في السلوك السياسي، فهي أيضا تتأثر به، بمعنى أن إقامة دولة المؤسسات الديمقراطية هي الأسلوب الأول لزرع ثقافة الديمقراطية وتوعية الجماهير على مدى زمني ممتد.

كما لا يمكن أبدأ تصور أن نظم الحكم الفرد أو القلة ستعمل على زرع هذه الثقافة، فالاستبداد لا يحكم إلا الشعوب المغيبة، ولا يستمر إلا مع تغييب الوعي وتسطيح العقول وتخريب الجامعات والسيطرة على الإعلام. وقد عانت دولنا العربية من هذه الأمور لعقود طويلة.

فضلا عن أن تجارب الشعوب والأمم الأخرى لا تؤيد فرضية الانتظار حتى ترتفع ثقافة الشعب ثم يحصل على حريته. نعم في أوروبا كانت هناك أفكار عصر التنوير لكن المجتمعات هناك خاضت حروبا وصراعات دموية حتى تحصل على حريتها. ومع هذا ظلت الأفكار العنصرية وممارسات التمييز بين الناس سائدة في أوروبا وأمريكا حتي القرن العشرين عندما تم وبشكل تدريجي التخلي عن الكثير من هذه الأفكار والممارسات.

ولا تزال شعوب كثيرة بالعالم الثالث تعاني من مستويات متدنية من الوعي والجهل والفقر برغم أنها استطاعت بناء أنظمة حكم ديمقراطية. والحكومات الديمقراطية هناك تجتهد في بناء اقتصاديات هذه الدول، فحقق بعضها النجاح كتركيا والبرازيل والهند وغيرها ولا يزال بعضها الآخر يحاول.

والنظام الديمقراطي ليس نهاية المطاف، فهو مجرد البداية لتمكين الناس وتغيير جوهر ممارسة السلطة، وهناك الكثير من الانتقادات التي توجه له من داخل المنظومة الغربية ذاتها ولا سيما فيما يخص قضايا العدالة الاجتماعية ووعي الجماهير وغيرها، وهناك من يجتهد لتعديله وتطويره.

ومن المهم الإشاره هنا أن للثقافة ووعي الجماهير - مع غيرها من العوامل بالطبع كخضوع كافة المؤسسات غير المنتخبة للسيطرة المدنية وتقوية الأحزاب والمجتمع المدني - دور محوري في استمرار الديمقراطية وترسيخ النظام الديمقراطي بعد إقامته. وهناك دول نجحت في هذا الأمر كما الكثير من دول أمريكا اللاتينية وشرق وجنوب أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان، وهناك دول لم تنجح وسقطت فيها الأنظمة الديمقراطية إما بفعل الانقلابات العسكرية أو الحروب الأهلية كما بعض الدول الافريقية والآسيوية. ونحن في عالمنا العربي لم نصل إلى مرحلة تعزيز الديمقراطية. فبعض الدول العربية لا تزال تحاول اجتياز المسافة الفاصلة بين نظم حكم الفرد أو القلة إلى نظم الحكم الديمقراطي ولم تنجح بعد.

وهناك بعد آخر له علاقة بما نتحدث عنه، وهو دور النخب السياسية الحاكمة والمعارضة على حد سواء. إن الربيع العربي يعاني في الأساس من أزمة مع ثقافة النخب وليس ثقافة الشعوب.

فالنخب التقليدية هي التي تصدرت المشهد في أكثر من بلد عربي بدلا من افساح المجال للنخب التي حركت وقادت الحراك الشعبي، وهي التي صدّرت خلافاتها التاريخية إلى الشعوب، وهي التي تصر على تحميل الشعوب كل الخطايا، وتمارس كل أنواع الوصاية عليه.

ولهذا فالأسئلة التي لابد أن تطرح هي: ألم تتحرك الشعوب من أجل الكرامة والحرية والعدالة بعد أن فشلت النخب لعقود في تحقيق هذه المطالب؟ أليست هذه النخب هي المسؤولة عن الفشل في إدارة المراحل الانتقالية وفي ترجمة هذه المطالب إلى برامج عمل وسياسات حقيقية؟ ثم ألم يتصدى للشأن العام في كثير من دول الربيع العربي أشباه المتعلمين وغير المتخصصين والكثير من المنتفعين؟ ألم يسخر هؤلاء الإعلام لتشويه الثورات والثوار لصالح قوى الثورات المضادة؟

وبجانب كل ما سبق هناك عوامل أخرى أكثر تأثيرا إنْ في عملية الانتقال أو في عملية تعزيز النظام الديمقراطي الوليد، أهمها نوعية نظم الحكم التي كانت قائمة قبل التغيير وإرثها الإستبدادي الثقيل والتي كان الصراع فيها بين النخب الحاكمة وخصومها صراعا صفريا: إما أن تسحق الحكومات خصومها وإما أن يثور الخصوم لسحق النخب الحاكمة. وفي دولنا العربية أدى غلق كل طرق التغيير السلمي - وكما حدث أيضا في دول أخرى في أفريقيا خصوصا - إلي انفجار الأوضاع وأن يكون انهيار النظام الحاكم هو الطريق الأكثر شيوعيا لتغيير الحكم.

وهذا الأسلوب في التغيير يعد في حد ذاته من أصعب طرق التغيير، فالثورات - وإن مثّلت فرصة للتغيير الشامل - إلا أنها عملية صعبة ومعقدة؛ لأنها تشهد في معظم الحالات فتحًا للعديد من الملفات ما يؤدي إلى تعقد عملية التغيير وارتفاع حجم التوقعات. هذا بجانب عقبات أخرى خارجية واقتصادية. 

المصدر: جريدة الشرق القطرية، 3 فبراير 2015 

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث