الأثنين، 22 ربيع أول 1439 - 11 كانون أول / ديسمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات في تحرير مصطلح الديمقراطية: ماذا نعني بالديمقراطية؟

في تحرير مصطلح الديمقراطية: ماذا نعني بالديمقراطية؟

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

في تحرير مصطلح الديمقراطية: ماذا نعني بالديمقراطية؟ 1-2

جريدة النور/ العدد الثاني، 26 سبتمبر 2011

للإجابة عن السؤال عنوان المقال نورد أمور ثمانية:

أولا: لمعظم مفاهيم العلوم الاجتماعية والسياسية مضامين ودلالات متباينة بتباين السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتختلف باختلاف رؤى الباحثين وقناعاتهم. والديمقراطية كمفهوم وكنظام سياسي ليست استثناءً من هذه القاعدة، فلها معان كثيرة تبدأ من المعنى الحرفي لها (أي حكم الكثرة أو الشعب) والذي لم ير النور في أي مكان عبر التاريخ نظرا لتنوع أساليب ممارسة الحكم من الأسلوب المباشر كما في بلاد اليونان القديمة إلى الأسلوب غير المباشر أو ما يسمى الديمقراطية التمثيلية أو النيابية. كما اختلفت معان كلمة الشعب، فعند اليونانيين القدامي كانت تعني طبقة الأحرار فقط، وهذه نظرة عنصرية بمقاييس زماننا هذا، كما لم يمتلك السود ولا المرأة الحقوق السياسية في أوروبا وأمريكا حتى القرن العشرين. وتعني كلمة كلمة الشعب الآن كل المواطنين الراشدين بلا تمييز على أي أساس كان.

ثانيا: الديمقراطية، كنظام للحكم، تتصل بشق المؤسسات في النظام السياسي الذي يُعرف بأنه مجموعة من المؤسسات السياسية الرسمية (أي التشريع والتنفيذ) مرتبطة بالمرجعية العليا للمجتمع أي بقيمه العليا ومبادئه الأساسية وأولويات مجتمعه. ولهذا فالديمقراطية ليست – كما يظن البعض- عقيدة سياسية أو مذهب سياسي وإنما هي نظام سياسي يستهدف أمرين أساسيين، هما: تقييد سلطة الحكام والحد من احتمال تعسفهم في استخدام السلطة، وصيانة كرامة الأفراد وحرياتهم وحقوقهم. والديمقراطية تحقق هذا بوضعها عددا من الأطر الدستورية والقانونية والترتيبات المؤسسية والقواعد السياسية، تشكل مجتمعة ما يطلق عليه النظام الديمقراطي.

والمؤسسات الديمقراطية بهذا المعنى تأتي إعمالا للمرجعيات، وبالتالي فليس من المتصور لهذه المؤسسات أن تخترق المرجعيات العليا وقيم المجتمع. ولهذا لا يمكن تصور أن الكونغرس الأمريكي يمكنه أن يصدر قانونا يتعارض مع المبادئ الليبرالية التي تشكل المرجعية العليا.

ثالثا: لا يوجد نظامان ديمقراطيان متطابقان، فللديمقراطية جوهر شبه ثابت يشكل خصائصه العامة المشتركة في معظم الدول الديمقراطية الحالية، أما تفاصيل كل نظام فيعتمد على أوضاع كل دولة، يأتي على رأسها المرجعية العليا للدولة والقيم والثقافة السائدة وأولويات المجتمع في لحظة تاريخية محددة.

رابعا: الخصائص العامة المشتركة للديمقراطية هي:

1- بدلا من شخصنة الحكم وتحكم فرد أو مجموعة أفراد، تفصل الديمقراطية بين المجالين العام والخاص وتحول الحكم إلى وظيفة لها قواعدها وضوابطها، يتولاها من يرى في نفسه القدرة على الحكم وتختاره جموع المواطنين. وهذا هو معنى أن الشعب مصدر السلطة أو السيادة الشعبية. ولتطبيق هذا المبدأ -الذي يهتم بالأساس بمن يحكم وكيف يحكم- تم تطوير عدد من المؤسسات والآليات والقواعد المتصلة بشروط ومؤهلات الحكام (ونقصد بطبقة الحكام هنا كل المسؤولين بدءا من رئيس الدولة ونواب البرلمانات وحتى أصغر موظف منتخب في المحليات، وعدد هؤلاء في أميركا أكثر من خمسمائة ألف مسؤول منتخب)، وبحدود مسؤولية كل مسؤول، وبكيفية اختيار الحكام واختيار هيئات تمثيلية يشارك الشعب عبرها في السلطة، وبكيفية مراقبة الحكام ومحاسبتهم وإقالتهم عند الضرورة، وبقواعد عملية اتخاذ القرارات وصنع السياسات وتقويمها وسبل تنفيذها وتعديلها عند الضرورة.

2- بدلا من الحكم بالهوى، استندت الديمقراطية إلى مبدأ حكم القانون، أي وجود دستور مسبق يخضع له الحكام والمحكومون ويتساوون أمامه (الحكم الدستوري). ولتطبيق هذا المبدأ كان لا بد من وجود عدد من المؤسسات والآليات والضوابط في دستور ديمقراطي فعال ومطبق، يأتي بالتوافق بين كافة القوى السياسية والاجتماعية، ويتضمن آليات لتحييد الولاءات المذهبية والطائفية والعرقية والقبلية، وقواعد لاختيار الحكام ومحاسبتهم وإجراءات لاتخاذ القرارات والسياسات، وأدوات للرقابة السياسية والقضائية والقانونية والمالية والإدارية، وضمانات للفصل بين السلطات واستقلال القضاء وانصياع سلطتا التشريع والتنفيذ لأحكامه، وضمانات لعدم خضوع الهيئات المنتخبة لنفوذ هيئات غير منتخبة كالمؤسسات العسكرية أو الأمنية.

3- تمكين المواطنين من المشاركة السياسية الفعالة. ويقتضي هذا المبدأ آلية انتخابات ديمقراطية بضمانات حقيقية لكي تكون الانتخابات فعالة (بمعنى أن تؤدي وظائفها الحقيقية)، وحرة (أي تحترم السلطة الحريات والحقوق الأساسية)، ونزيهة (أي تتسم إدارة الانتخابات بالشفافية والحياد بجانب دورية الانتخابات). كما تحتاج المشاركة ضمانات للتداول على السلطة كتحديد مدة الرئاسة، وضمانات لوجود معارضة فعالة في البرلمانات، وضمانات للتعددية السياسية والحزبية ولحرية الصحافة والإعلام. هذا بجانب ضرورة احترام حق تقرير المصير وعدم الخضوع لأي نفوذ أجنبي كي لا تتكرر مأساة الانتخابات الفلسطينية والعراقية تحت الاحتلال.

4- بدلا من التمييز بين الناس على أي أساس كان، انتهت الديمقراطية إلى فكرة مساواة جميع البشر في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي الالتزام بالواجبات (مبدأ المواطنة). ويستلزم هذا المبدأ عددا من الضمانات الدستورية والقضائية والسياسية، وأهمها استقلال القضاء وقيامه بدور الرقابة القضائية، بجانب ضمانات لتساوي الفرص أمام الجميع واعتماد مبدأ الكفاءة في التعيينات واختيار المسؤولين وفي الترقيات.

خامسا: تبني الديمقراطية في أي دولة هي عملية بناء لنظام سياسي، وليست عملية نقل نظام جاهز من الخارج. فالديمقراطية كنظام للحكم ليست كجهاز الحاسب الآلي يمكن استيراده ككتلة واحدة من الخارج، وإنما يتم الأمر عن طريق بناء النظام بخصائصه المتعارف عليها وتطوير واختيار التفاصيل التي تناسب أوضاع كل مجتمع، مع الأخذ في الاعتبار مرجعية الدولة، أي قيمها العليا وأولويات المجتمع واحتياجاته. هذا ما فعله قادة الهند (منذ أكثر من 60 عاما) وماليزيا (منذ أكثر من 50 عاما) وقادة ونخب أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وبعض الدول الآسيوية والافريقية، عندما ارتفعت هذه القيادات والنخب إلى مستوى المسؤولية وفهموا جوهر الديمقراطية وتطورها وخصائصها ووظائفها ثم قاموا بعمليات مواءمة وقدموا مقاربات فكرية استفادت من منجزات الشعوب في أساليب الحكم والديمقراطية دون أن تتجاوز أولويات مجتمعاتهم وثقافاتهم المختلفة. والناتج هو وجود نظم حكم ديمقراطية تقود هذه البلدان اليوم نحو النهضة والتقدم.

سادسا: الديمقراطية ليست منتجا غربيا صرفا كما يعتقد البعض، فصحيح أنها كنظام سياسي تطورت في الدول الغربية الليبرالية، إلا أنه ثبت نجاحها أيضا خارج الغرب وضمن مرجيعات أخرى كما حال ماليزيا والهند واليابان وأمريكا اللاتينية. والديمقراطية منتج إنساني شاركت الكثير من الحضارات في إنجازه، ولها جذور في الفكر الإغريقي والروماني قبل الميلاد، وفي الحضارة الإسلامية أيضا. غير أنه إحقاقا للحق فإن للدساتير والأنظمة الغربية الحالية الفضل في بلورة النظام الديمقراطي وابتكار الكثير من المؤسسات والآليات التي ساهمت في وضع جوهر الديمقراطية موضع التطبيق.

سابعا: النظام الديمقراطي ليس النظام الأمثل، ولكنه أقل الأنظمة سوءا، وأفضلها في الحد من استبداد الحكام، وأكثرها توفيرا لآليات محاسبة المسؤولين المقصرين. ولا يوجد نظام ديمقراطي مكتمل الأركان يصلح لكل دول العالم، والديمقراطية لا يمكن استيرادها دون مراعاة للأوضاع الداخلية لكل مجتمع.

ثامنا: للديمقراطية أشكال مختلفة (مباشرة، شبه مباشرة، تمثيلية أو نيابية رئاسية أو برلمانية أو شبه رئاسية، وهناك الديمقراطية التوافقية..)، وهي (كما كل المؤسسات والقواعد) قابلة للتعديل والتطوير لتلائم أهداف كل مجتمع وأولوياته. ومن العيوب التي يجتهد الكثير من السياسيين الغربيين وغير الغربيين في إيجاد حلول لها نفوذ المال السياسي والعصبيات في الانتخابات، ودور اللوبيات وجماعات الضغط، وسيطرة الشركات الكبرى.

والسؤال هو هل تتعارض الديمقراطية بمعناها السالف الذكر مع الإسلام. تحتاج الإجابة مقال منفصل بعون الله.

في تحرير مصطلح الديمقراطية: هل تتعارض الديمقراطية مع الإسلام؟ 2-2

جريدة النور/ العدد الثالث، 3 أكتوبر 2011

هل تتفق الخصائص العامة المشتركة للديمقراطية السابق عرضها في المقال السابق مع أسس الحكم الرئيسة في الإسلام؟ الإجابة المختصرة: نعم تتفق هذه الخصائص، في مجملها، مع أسس الحكم في الإسلام، وفيما يلي ست ملاحظات سريعة.

أولا: لابد أن نشير، بداية، إلى أنه برغم أن التجربة السياسية في العهد النبوي والراشدي تؤكد أن السلطة في الإسلام سلطة مدنية بمرجعية إسلامية، ويتولى ممارسة السلطة من تتوفر فيهم شروط الحكم والقيادة، وأن الأمة هي التي تختار الحكام وتراقب أعمالهم وتعزلهم عند الضرورة، والسلطة تعاقد مجتمعي متبادل يقوم بموجبه الحاكم بوظائف محددة مقابل طاعة المحكومين له، والسلطة مقيدة بالمرجعية العليا للمسلمين وطاعة الحكام مشروطة بهذا القيد، إلا أن هناك بعض الأبعاد التنظيمية التي لم تقننها هذه التجربة، بسبب عدم حاجة مجتمعات ذلك الزمان لها، وبسبب طبيعة المرجعية الإسلامية ذاتها والتي تتضمن قيم ومبادئ وليس آليات ومؤسسات تفصيلية كما سنشير لاحقا. ومن هذه الأمور كيفية اختيار الحكام وطرق ممارسة الشورى والتعبير عن حق الأمة في مراقبة الحكام وعزلهم عند الضرورة، وسبل معارضة الحكام، وغير ذلك.

ثانيًا: للسلطة في هذه التجربة مقوم ثابت وآخر متغير. فالثابت هو القيم الرئيسة والأحكام القطعية والمبادئ العليا التي تعمل كأساس مرجعي لأي نظام سياسي يراه المسلمون مناسبًا لمجتمعهم في زمن محدد، ومن هذه القيم العدل والحرية والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور. أما المقوم المتغير فهو سبل إنزال هذه القيم وإعمالها في الواقع. ولهذا رأينا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتخبون أبي بكر بعد وفاته، ثم رأينا أبي بكر يوصي بالحكم لعمر بين الخطاب ثم رأينا عمر يشكل مجلسا للشورى من ستة أعضاء ليختاروا أحدهم خليفة. كما تنوعت أساليب الشورى فقد رأينا أبي بكر يخالف رأي الصحابة في مسألة محاربة مانعي الزكاة، ورأينا عمر يعين مجلسًا للشورى لاختيار الخليفة، ثم انقلبت الخلافة إلى ملك عضوض عندما غُيبت الشورى..

ويفهم من هذا أن الشريعة إطار مرجعي أعلى تحدد القيم والمبادي الحاكمة للسلطة فقط، أما آليات وإجراءات ممارسة السلطة فهي تتغير بتغير الزمان والمكان، وتُرك أمرها لمجال العقل والاجتهاد. كما لا تمنع المرجعية الإسلامية الإبداع أو الاقتباس من الآخرين، فالحكمة ضآلة المسلم. ولهذا فالإسلام دين عالمي صالح لكل زمان ومكان..

ثالثا: ليس من الحكمة المقارنة بين فكرة سيادة الشعب وفكرة الحاكمية. فالله، عز وجل، هو خالق الكون وحاكمه ومُشرّع دينه وقيمه العليا لهداية كل البشر. وهذا أمر أسمى وأعلى من أساليب إدارة الصراع السياسي وصنع القرارات لتنظيم شؤون حياتنا الدنيوية. وما قصده المنادون بالحاكمية هو حاكمية الشريعة الإسلامية – أي مرجعيتها - وليس حكم رجال الدين. والحاكمية لا تعني منع البشر من التشريع في الأمور الدنيوية، وبعبارات العلامة يوسف القرضاوي، في كتابه "الدين والسياسة"، الحاكمية "لا تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله لهم. إنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال بالتشريع غير مأذون به من الله، وذلك مثل التشريع الدِّيني المحض، كالتشريع في أمر العبادات بإنشاء عبادات وشعائر من عند أنفسهم، أو بالزيادة فيما شرع لهم باتِّباع الهوى. أو بالنقص منه كمًا أو كيفًا، أو بالتحويل والتبديل فيه زمانًا أو مكانًا أو صورة. ومثل ذلك التشريع في أمر الحلال والحرام، كأن يحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل لله.."

هذا فضلا عن أن فكرة سيادة الشعب مقيدة بالقانون والمرجعية العليا حتى في المجتمعات الغربية الديمقراطية، فلا يمكن أن تسن البرلمانات هناك قوانين تخالف المرجعيات العليا كما عرضنا من قبل. ولهذا فليس من المتصور أن تسن البرلمانات في دول ذات أغلبية سكانية مسلمة قوانين تبيح حرامًا أو تحل حرامًا. والمهم هنا هو وجود مؤسسات قضائية محايدة (كالمحكمة الدستورية العليا مثلا) تُسند إليها مهمة الفصل فيما إذا تجاوز البرلمان مبادئ المرجعية العليا، وذلك على غرار دور المحاكم الدستورية العليا في الديمقراطيات الغربية بشكل عام.

رابعا: وكذلك الحال مع بقية الخصائص، فمبدأ حكم القانون لا يتعارض مع الإسلام، بل إن المسلمين الأوائل، في العهدين النبوي والراشدي، طبقوا هذا المبدأ واجتهدوا في وضع الوسائل التي تضمن مساواة الحكام والمحكومين أمام المرجعية العليا. ولأسباب كثيرة لم يتم تقنين هذا المبدأ ولا الوسائل التي اتبعت لا في شكل دستور مكتوب، أو قوانين مكتوبة. والمشاركة السياسية جزء يسير من مبدأ آخر أعم وأشمل هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أقره الإسلام وطالب جميع المسلمين بممارسته في كافة قطاعات المجتمع وعلى كافة المستويات.

خامسا: علينا تجاوز مسألة ما إذا كانت الديمقراطية تتفق مع الإسلام أم لا، فالمطلوب ليس فقط الإستفادة من آليات النظام الديمقراطي وضوابطه ومؤسساته، وإنما التفاعل معها والإضافة لها بالعمل على إيجاد حلول خلاقة وجديدة للعيوب ونقاط التوتر التي أفرزتها الممارسة الديمقراطية في الواقع مثل إيجاد أشكال جديدة لتمثيل أفضل لفئات المجتمع المختلفة، وترتيبات مؤسسية تجعل من إرادة الأمة سلطة حقيقية في مواجهة الحكام، وآليات لمتابعة أداء نواب الشعب والمسؤولين، ومعايير لمراقبة عملية الانتخابات في مراحلها المختلفة، وطرق لتحييد المال السياسي، ووسائل للتعامل مع القبيلة والطائفة والأقليات، وضمانات لاحترام الدساتير والقوانين وغير ذلك.

سادسا: إن الوقت وقت الحلول التفصيلية التي يجب أولا ألا تتناقض مع المرجعية العليا للإسلام، وثانيًا أن تتصدى، بشكل جدي وجذري، لمشكلات وتحديات الواقع المعاش. وهذه التحديات لا تتصل فقط بشكل الحكم، وإنما لابد أن تمتد لتشمل علاقات مجتمعاتنا بغيرهم كالاهتمام بالقضايا ذات البعد العالمي وقضايا الاقتصاد العالمي والفقر والتنمية وكيفية إسهام المسلمين في الحضارة الإنسانية وغير ذلك. ولابد أن ندرك هنا أمرين مترابطين:

الأمر الأول: أنه كما أن لهذه الحلول التفصيلية ضوابط مستمدة من الإسلام وقيمه، فإن لها ضوابط أخرى إجرائية وفنية مستمدة من السنن الكونية التي أراد المولى عز وجل لها أن تسري على البشر جميعًا. فللتقدم والتخلف أبجديات وسنن كونية تجري على المسلم وغير المسلم. ومن هذه الأبجديات، مثلاً، أن نفهم بعمق ما يدور حولنا، وأن يتصدى لوضع الحلول والمقاربات المطلوبة العلماء والباحثون العارفون والمتخصصون، وهذا يحتاج في زماننا إلى الاجتهاد الجماعي والعمل المؤسسي والاهتمام بالتخصص والانفتاح على تجارب الشعوب الأخرى، وغير ذلك.

الأمر الثاني: الحلول المنشودة حلول إنسانية، زمنية، وقتية، ولا يجب أن تستمد فقط من كتب التراث. إننا نحتاج بالطبع إلى قراءة التراث السياسي الإسلامي، لكن ليس لأجل التمسك بمضامينه ومحاولة تغيير الواقع الحالي ليتماشى مع تلك المضامين كما يتصور البعض، وإنما للاستفادة من منهج رواده ومن طرق تعاملهم مع النصوص وطرق فهمهم لتحديات عصورهم. وأذكر هنا أن الشيخ الغنوشي كتب ذات مرة ما معناه إن كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (وهو من أعظم ما كتب في القرن الخامس عشر الهجري) أحد عقبات التجديد، وأن أحد الفقهاء التونسيين قال أن الكتاب لا يفيد إلا العلماء أما المبتدءون فهو كفيل بأن يضلهم.

وفي الموضوع تفاصيل أخرى لا يتسع المكان لها. والله تعالى أعلم.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث