الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات مؤتمر خبراء الإستعمار وعرب اليوم!

مؤتمر خبراء الإستعمار وعرب اليوم!

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

عبدالفتاح محمد ماضي

باحث عربى بالولايات المتحدة

فى عام 1907 انعقد فى لندن مؤتمر هام تحت إسم مؤتمر "خبراء الإستعمار". لقد تصدت بريطانيا - أواخر القرن التاسع عشر- لمسألتين واجهتا العالم وقتذاك هما: المسألة الشرقية وإرث العثمانيين من جهة، وما أسمته الحركة الصهيونية "المسألة اليهودية" من جهة أخرى. وفى سعيها إلى حماية مستعمراتها والحفاظ على إمبراطوريتها، أحبطت بريطانيا محاولة محمد علي إقامة دولة موحدة تضم مصر وسوريا ونجد والحجاز والسودان (وذلك من خلال عقد اتفاقيتين مع مصر سنة 1840، أدتا ليس فقط إلى اجهاض محاولة الوحدة تلك، بل وإلى وقف عملية التصنيع وتقليص حجم الجيش فى مصر)، كما احتلت بريطانيا عدن، وفتحت لها أول قنصلية في القدس، وأعلنت نفسها حاميةً لليهود أينما كانوا، ممهدة الطريق أمام تهجيرهم إلى فلسطين... ولأن صنع القرارات ورسم السياسات فى دول الغرب يتم من خلال الإستعانة بأصحاب الخبرة والعلم، فقد دعا رئيس الوزراء البريطانى آنذاك إلى عقد مؤتمر علي مستوى أساتذة الجامعات والخبراء في النواحي الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية، وذلك بهدف الكشف عن الوسائل التي تحول دون اضمحلال الاستعمار الأوروبي وقد بلغ ذروته. لقد كشفت مقررات المؤتمر عن سياسة القوى الاستعمارية الأوربية الرامية إلى تفتيت المنطقة العربية - التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية ‏-‎‎ إلى دول عدة، وزرع كيان غريب بين مشرق العالم العربي ومغربه، وهو الأمر الذي جاء متفقاً مع أهداف الحركة الصهيونية، بمعني أنه جاء حلاً لما عرف بالمسألتين الشرقية و"اليهودية" معاً... انتهي الخبراء إلى ضرورة العمل علي "تفتيت هذه المنطقة والإبقاء علي وضعها المتأخر، وعلي إبقاء شعبها علي ما هو عليه من تفكك وجهل وتناحر، ومحاربة أية محاولة للاتحاد بين شعب هذه المنطقة سواء فكرياً أو عملياً"، وذلك ‏-‎‎ حسْب ما جاء في التقرير- لأن "هذه المنطقة هي مهد الأديان والحضارات وهمزة الوصل بين الشرق والغرب، ويعيش فيها شعبٌ له تاريخ مشترك ولغة قومية واحدة، ودينٌ يحض علي الزواج والتكاثر، أي أنه شعب يمتلك كل مقومات الاتحاد والنهوض ولا ينقصه سوى الوسائل الفنية والمكتسبات الصناعية التي يجب ألا تصل إليه." و انتهي المجتمعون إلى أن الوسيلة السريعة والأساسية لدرء الخطر هي "إقامة حاجز بشري وغريب علي الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا ‏...‎‎ بحيث يظهر في هذه المنطقة وعلي مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة"... ولقد آلت الحكومات البريطانية على نفسها تنفيذ تلك المقررات، فراحت تعمل على تفكيك أوصال الإمبراطورية العثمانية وإسقاط الخلافة الإسلامية، وتمهيد الطريق أمام الجماعات اليهودية لإنشاء دولة لهم في فلسطين... ولقد استخدمت بريطانيا عدة وسائل لتحقيق أهدافها تلك، منها استدراج العرب ضد الأتراك ودعم القوى الطورانية داخل تركيا، اعتماد دبلوماسية المعايير المزدوجة لصالح اليهود، تمويل تهجير الجماعات اليهودية وتسليح العصابات الصهيونية ... ولهذا كانت مراسلات الحسين/مكماهون، ووعد بلفور، واتفاقيات سايكس بيكو، ثم الاحتلال البريطاني المباشر للقدس في ديسمبر 1917. أما غضب العرب، وثوراتهم، فقد واجهته بريطانيا تارةً بالقمع والتنكيل، وتارةً أخري بلجان الاستقصاء والتحقيق وإرسال الموفدين ...

واليوم، وبعد ما يقرب من مائة عام على ظهور تلك المقررات، وفى عالم يتحكم فيه الأقوياء ولا مكان فيه للضعفاء، فقد ترسخت الحدود والفرقة التى رسمها المستعمر القديم، فالوحدة العربية ( بين دول لا يتجاوز عمر الحدود المصطنعة بينها عدة عقود، ويجمعها روابط دينية وثقافية وتاريخية، ويتكلم أهلها لغة واحدة، ويشعرون بالآلام والمشكلات نفسها) صارت عبارة غريبة عن قاموس السياسيين العرب الحاليين، بل صار مجرد التنسيق بين الدول العربية أمراً صعب المنال... بل ولم يتمكن شعب بلاد الرافدين من الإتفاق على أول أيام "أول عيد" فى ظل الإحتلال، فشاهدنا ثلاثة أيام للفطر... أما الجامعة العربية فتعانى حالة من الشلل قل أن تجد لها نظيراً فى عالم المنظمات الدولية المعاصرة، وذلك نتيجة لغياب الإرادة السياسية لأعضائها فى المقام الأول... أما فى مواجهة إحتلال العراق وتهديد سوريا، فقد اكتفى من يتكلم من العرب بمجرد التصريح بضرورة تعجيل "نقل السيادة إلى العراقيين"، و"إستبعاد" عمل أمريكى ضد سوريا أو إستخدام قانون محاسبة سوريا، بل وحذر بعضهم، مؤخراً، من مغبة التسريع بنقل السلطة للعراقيين، ولم يستبعد آخر تقسيم العراق ... أما قضية العرب الرئيسية فقد انتهت - كما يسمع من أكثر من عاصمة عربية رئيسية - إلى مجرد المطالبة ب"تخفيف الحصار على الفلسطينيين"، و"مناشدة الإسرائيليين" العودة إلى ما كان يسمى طاولة المفاوضات، ومطالبة الفلسطينيين "بعدم إتخاذ شروط مسبقة"، والدعوة إلى تفكيك منظمات المقاومة ونزع سلاحها وإيقاف عمليات المقاومة المشروعة... أما "الحاجز البشرى الغريب" (إسرائيل) الذى تم زرعه فى العالم العربى فقد أضحى – بسبب ضعف العرب، ودعم الغرب، وجهد أصحابه - دولة متطورة تصدر السلاح والتكنولوجيا، وتمتلك مقدرات اقتصادية وعلمية تضاهى الدول الصناعية الكبرى، بل وصار هذا الكيان يضع الشرط تلو الشرط لقبول التفاوض مع نظم كانت توصف حتى عهد قريب بالتقدمية والثورية، وتحدث وزير خارجيته فى مؤتمر هرتزيليا فى ديسمبر الماضى عن لقاءاته مع رؤساء ووزراء فى دول عربية، قائلاً: "فى لقاءات متفرقة، والتى تضم عدداً محدوداً من المشاركين، تتلاشى الحواجز المصطنعة (بين إسرائيل وتلك الدول العربية) وتختفى العبارات الرنانة المعادية لنا والتى تظهر فى المحافل الدولية"، وذلك دون أن نسمع أى تعليق من تلك الدول ... لقد تمسكت كافة شعوب الأرض بحقها فى الإستقلال ومقاومة المحتل، وانتهى الإستعمار من روديسيا وجنوب أفريقيا إلى أريتريا وتيمور الشرقية عندما تمسكت الشعوب والقيادات بإرادتها السياسية وبحقوقها المشروعة فى تقرير مصيرها. إن مشكلة فلسطين يجب أن تكون مشكلة العرب جميعاً، كما أن سيادة العراق لابد أن تكون جزءاً لايتجزأ من سيادة الدول العربية كلها، والتعامل مع التهديد الأميركى لدمشق يجب أن يكون وكأنه تهديد للقاهرة والرياض وعمان والرباط... 


أما القطب الأوحد فى عالم اليوم، الولايات المتحدة، فيجد من يتحداه فى كل مكان عدا العالم العربى. فناهيك عن مسيرات الغضب ضد السياسات الأميركية فى جُل عواصم العالم، بل وفى أميركا نفسها، أذكر هنا موقف كوريا الشمالية من المسألة النووية، وسياسات فرنسا وألمانيا والمكسيك وكندا من العدوان الأميركى على العراق. هذا فضلاً عن توجهات دول أميركا اللاتينية إزاء السياسة الأميركية، ففى قمتهم الأخيرة بمدينة "مونتيري" المكسيكية التي انتهت 13 يناير 2004، شن معظم رؤساء دول وحكومات أميركا اللاتينية هجوماً حادأ على الرئيس بوش وأعضاء إدارته ورفضوا الطلب الأميركى بعزل كوبا. ورداً على الإجراءات الأميركية بأخذ بصمات أصابع الزائرين وتصويرهم، شرعت البرازيل فى إجراءات مماثلة ضد الأميركيين. أما الرئيس الفنزويلى، شافيز، فقد رد على إنتقادات أميركا لعلاقة بلاده بكوبا، قائلاً: "إن ما يحدث هنا في فنزويلا يخص الفنزويليين، ولا يخص أحدا آخر على هذا الكوكب ... وإن على الحكومة الأميركية أن تقبل بأن زمن الحكومات الجبانة في هذه القارة والرضوخ لأوامر واشنطن بدأ ينتهي". قارن ذلك بموقف الرئيس اليمنى في مؤتمر صنعاء للديمقراطية وحقوق الإنسان فى 11 يناير 2004- رداً على استفسار صحفيين عن استجابة الحكومات العربية للمطالب الأميركية المتعلقة بالديمقراطية - حيث قال: "علينا أن نتعلم من الزمن ونعتبر بالماضي قبل أن يعلمنا الآخرون، وأن نحلق شعرنا قبل أن يحلق لنا الآخرون." وفى قطر عربى واحد، شهدنا قرارات مثل: الإنسحاب من الجامعة العربية، ثم تجميد ذات الإنسحاب، ثم فتح البلاد أمام فرق التفتيش التابعة للمخابرات البريطانية والأمريكية للكشف عن الأسلحة غير التقليدية، وغير ذلك ...

حكام أميركا اللاتينية تم انتخابهم ديمقراطياً، ومن ثم فلهم سند شعبي يعبرون عنه ولا يستطيعون تجاوزه، أما الحكام غير المنتخبين فليس لهم شرعية شعبية، وبالتالى فهم غير قادرين على التواصل مع شعوبهم، ويرون أن الرضوخ للمطالب الأميركية هو وحده الذى يضمن لهم البقاء فى كراسيهم ... لقد شهدت جُل النظم السياسية المعاصرة فى كافة أنحاء الأرض، عدا العالم العربى، عمليات تحول ديمقراطى أدت إلى أن أصبحت القرارات والسياسات تصنع من خلال مؤسسات منتخبة فى دول مثل تايوان وتايلاند وتشيلى ومنغوليا والسلفادور، وإلى أن أضحت عملية إختيار الحكام والمشرعين تتم من خلال إنتخابات حرة ودورية فى دول حال بنين ونيبال وبنما وجامايكا وكينيا ...

إن تذكر تلك المقررات لايعنى إحالة الأمر إلى نظرية المؤامرة أوالتهويل من شأن عدونا، أو دفع الشعوب إلى اليأس والإحباط، وإنما يعنى التأكيد على ضرورة إستيقاظ العرب، وإمتلاك إرادتهم السياسية، ونبذ الفرقة، وتخطى المصالح القطرية الضيقة، وتسخير كل الإمكانات المتاحة فى خدمة المصالح العربية المشتركة، كما يعنى أيضاً أهمية التخطيط العلمى السليم، والإستعانة بأصحاب الخبرة والعلم، ويعنى العمل المخلص والجاد للوصول إلى الأهداف العربية العليا... لقد مرت الكثير من الشعوب والأمم بتحديات ومشكلات مشابهه لتلك التى يمر بها العالم العربى، وكان السبيل إلى الخروج منها يستند فى الأساس إلى إسترداد الإرادة السياسية، والشروع فى وضع - ثم تنفيذ - برامج عمل محددة بأهداف ووسائل واقعية ومناسبة.

مؤتمر خبراء الاستعمار وعرب اليوم! باحث للدراسات: فبراير 2004

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث