الأحد، 0 شوال 1438 - 25 حزيران / يونيو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات متفرقات الصهيونية والتحالف مع الغرب

الصهيونية والتحالف مع الغرب

طباعة

تقييم المستخدم: / 1
ضعيفجيد 

منذ أن ظهر المشروع الصهيوني كبرنامج سياسي ينشد إقامة " وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام "،أواخر القرن التاسع عشر ،وهو يحرص علي الاعتماد علي قوى دولية كبرى تمتلك القوتين العسكرية والاقتصادية القادرتين علي تنفيذ آمال المشروع الصهيوني وأطماعه. وتنفيذاً لهذا الحرص الصهيوني كان التحالف الصهيوني-البريطاني ،الذي بدأ مع ظهور الحركة الصهيونية وظل قائماً حتى الحرب العالمية الثانية،وكان التحالف الصهيوني-الأمريكي الذي ظهر أثناء عمليات الحرب العالمية الثانية ولا يزال قائماً حتى اليوم .بيد أنه ثمة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وقوامها أنه ما كان ممكناً للحركة الصهيونية أن تقيم تحالفاتها هذه،ولا أن تحقق أهدافها تلك ما لم تتلاقى مصالح بريطانيا - ثم الولايات المتحدة الأمريكية - مع مصالح الحركة الصهيونية،ثم مع إسرائيل لاحقاً.

فبريطانيا العظمي (أواخر القرن التاسع عشر )- التي كانت تسعي إلى حماية مستعمراتها الممتدة في الهند - تصدت أواخر القرن التاسع عشر لمسألتين واجهتا العالم وقتذاك هما:المسألة الشرقية وإرث الإمبراطورية العثمانية من جهة ،وما أسمته الحركة الصهيونية " المسألة اليهودية "التي واجهت المجتمعات الأوروبية من جراء ما تبع حركات تحرير الجماعات اليهودية في أوروبا ومساواتهم ببقية فئات المجتمع في أعقاب انهيار النظم الإقطاعية وبزوغ عصر النهضة الأوروبي وذلك من جهة أخرى . ولهذا أحبطت بريطانيا محاولة محمد علي إقامة دولة موحدة تضم مصر وسوريا ونجد والحجاز والسودان ، وبموجب اتفاقيتين وقعتهما مع مصر سنة 1840 أوقفت عملية التصنيع فى مصر‎ وقلصت حجم الجيش المصري.كما احتلت بريطانيا عدن ،وفتحت لها أول قنصلية في القدس وأعلنت نفسها حاميةً لليهود أينما كانوا، وراحت تمهد الطريق أمام تهجير الجماعات اليهودية إلى فلسطين.

وفي العام ‏‏1907‎‎ انعقد في لندن ما عرف باسم "مؤتمر خبراء الاستعمار" - بناءً علي طلب رئيس وزراء بريطانيا ‏-‎‎ علي مستوى أساتذة الجامعات والخبراء في النواحي الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية وذلك بهدف الكشف عن الوسائل التي تحول دون اضمحلال الاستعمار الأوروبي وقد بلغ ذروته.وقد كشف تقرير المؤتمرين عن مخطط القوى الاستعمارية الأوروبية الرامي إلى تفتيت المنطقة العربية - التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ‏-‎‎ إلى دول عدة، وزرع كيان غريب بين مشرق العالم العربي ومغربه .وهو الأمر الذي جاء متفقاً مع أهداف الحركة الصهيونية، بمعني أنه جاء حلاً لما عرف بالمسألتين الشرقية واليهودية معاً. انتهي هذا المؤتمر إلى ضرورة العمل علي " تفتيت هذه المنطقة والإبقاء علي وضعها المتأخر ،وعلي إبقاء شعبها علي ما هو عليه من تفكك وجهل وتناحر،ومحاربة أية محاولة للاتحاد بين شعب هذه المنطقة سواء فكرياً أو عملياً "،وذلك ‏-‎‎ حسب ما جاء في التقرير- " لأن هذه المنطقة هي مهد الأديان والحضارات وهمزة الوصل بين الشرق والغرب ، ويعيش فيها شعب له تاريخ مشترك ولغة قومية واحدة ، ودين يحض علي الزواج والتكاثر،أي أنه شعب يمتلك كل مقومات الاتحاد والنهوض ولا ينقصه سوى الوسائل الفنية والمكتسبات الصناعية التي يجب ألا تصل إليه ".ولقد انتهي المؤتمرون إلى أن الوسيلة السريعة والأساسية لدرء الخطر هي " إقامة حاجز بشري وغريب علي الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا ‏...‎‎ بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلي مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة ". وتماشياً مع هذه المقررات كانت سياسة بريطانيا الرامية إلى تفكيك أوصال الإمبراطورية العثمانية وإسقاط الخلافة الإسلامية وتمزيق وحدة العالم العربي ، وتمهيد الطريق لليهود لإنشاء دولة لهم في فلسطين . ولهذا شهدت المنطقة سياسةً بريطانيةً قامت علي : استدراج العرب ضد الأتراك ودعم القوى الطورانية داخل تركيا من جهة ،ودبلوماسية مزدوجة لصالح اليهود من جهة أخري ،فكانت مراسلات الحسين / مكماهون، ووعد بلفور ،واتفاقيات سايكس بيكو، ثم الاحتلال البريطاني المباشر للقدس في ديسمبر 1917 ،والشروع في تهويد فلسطين من خلال ما عرف بالانتداب وتمويل تهجير الجماعات اليهودية وتسليح العصابات الصهيونية .أما ثورات العرب وغضبهم فقد قابلتها سلطة الاحتلال تارةً بالقمع والقتل والتشريد ،وتارةً أخري بلجان الاستقصاء والتحقيق.

ومع مطلع الأربعينيات بدأت مرحلة جديدة من مراحل اغتصاب فلسطين تحالفت فيها الحركة الصهيونية مع الولايات المتحدة الأمريكية ،القطب الدولي الصاعد آنذاك ،فبعدما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا ،صار لها مصالح وأهداف في المنطقة العربية وبخاصة حينما أكدت عدة دراسات أن هذه المنطقة ستكون ‏-‎‎ في وقت قريب ‏-‎‎ أهم منابع النفط في العالم .اتجهت الحركة الصهيونية إلى الأمريكيين اليهود ولسان حالها يقول لهم "إن يهود أوروبا قد نجحوا في استصدار وعد بلفور وضمان الدعم الإنجليزي ،وعلي يهود أمريكا إكمال الطريق من خلال إنهاء المراحل الأخيرة لقيام الدولة وتحقيق اعتراف العرب بها ". وقد شكلت مقررات مؤتمر بلتيمور ‏-‎‎المنعقد في نيويورك في مارس ‏‏1942‎‎ ‏-‎‎ نقطة تحول في مسار الحركة الصهيونية إذ أعلن المؤتمرون عدة أمور لأول مرة هي : أن هدف الصهيونية هو إقامة دولة لليهود في فلسطين ،وإنشاء جيش يهودي ،ودفع تعويضات ألمانية لما أسماه المؤتمرون " الشعب اليهودي " .

وعلي الرغم من تحذير العديد من الساسة الأمريكيين الرئيس ترومان من التحيز ضد العرب ،فقد سخر هذا الأخير نفسه لمصلحة الصهيونية فأيد عمليات تهجير الجماعات اليهودية ، ثم مارست الدبلوماسية الأمريكية كل الضغوط الممكنة أثناء التصويت علي مشروع التقسيم في الجمعية العامة دون أدني مراعاة لأية اعتبارات أخلاقية أو قانونية، ثم كانت الولايات المتحدة أول من اعترف ب " إسرائيل " وقدمت لها أول معونة مالية في شكل قرض قيمته ‏‏100‎‎ مليون دولار .

وعلي الرغم من محاولة ايزنهاور إقامة نوع من التوازن في السياسة الأميركية ،ولاسيما خلال أزمة السويس،إلا أن السياسة الأمريكية ارتكزت في ذلك إلى مطامعها ومصالحها القومية التي هدفت إلى الحصول علي النفوذ الذي كانت القوتان الإنجليزية والفرنسية تحتلانه في المنطقة العربية ، وما أن استتب الأمر لأمريكا حتى راحت تنحاز إلى إسرائيل ، فإسرائيل تؤدي لها دوراً محورياً ‏ في تحقيق مصالحها التي تمثلت ،وقتذاك، في منع التغلغل السوفيتي . ولذا شهدنا الانحياز التام لصالح إسرائيل والذي ترجم في شكل تدفق أشكال مختلفة من المعونات والقروض العسكرية والاقتصادية والفنية ، وظهور أنواع متعددة من المساعدات التكنولوجية والاستخباراتية والأمنية . وقد دأبت الولايات المتحدة علي توفير أمرين حيويين لإسرائيل في أعقاب كل اعتداء تقوم به ضد العرب هما: الحماية الدبلوماسية لها في المحافل الدولية من جهة والدعم المالي الإضافي من جهة أخري . 

وفي العقدين الماضيين ، راح التحالف الصهيوني الأمريكي يزداد رسوخاً وقوةً، إذ شهدت فترة حكم ريجان دعماً غير مسبوق لإسرائيل، ورضوخاً كاملاً لمطالبها . ولهذا أيدت أمريكا قصف المفاعل العراقي ،وضم الجولان و إخراج منظمة التحرير من لبنان وغزو لبنان ،كما وقعت مع إسرائيل اتفاق التعاون الاستراتيجي عام ‏‏1983‎‎ واتفاقية التجارة الحرة عام ‏‏1985‎‎ ثم حول ريجان كل القروض التي تقدم إلى إسرائيل إلى منح لا ترد وعلي أن تقدم دفعةً واحدة،كما سمح لإسرائيل بالمشاركة في أبحاث حرب النجوم عام ‏‏1986‎‎ ثم أعلنت إدارة ريجان ‏-‎‎ في ‏‏1987‎‎ - أنها تعتبر إسرائيل "حليفاً رئيسياً غير منتم إلى حلف الناتو " وذلك رغم تفجر فضيحة الجاسوس بولارد . وفي عهد بوش حصلت إسرائيل علي خدمتين جليلتين هما: فتح الباب أمام هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي السابق من جهة ،والقضاء علي القوة العراقية من جهة أخري .هذا بجانب إلغاء قرار الجمعية العامة الذي يصف الصهيونية بالعنصرية .وبعد أن اختفي الخطر الشيوعي صارت مصالح القطب الأميركي ‏-‎‎ الذي أضحي قطباً أوحدا ‏-‎‎ تتمحور حول ضرب القوي الإسلامية الصاعدة ،وضمان ولاء النظم الموالية لأمريكا واحتواء النظم المناوئة لها . ولهذا كرس كلنتون نفسه ،و إدارته، لصالح إسرائيل ‏-‎‎ التي استمر دورها في تحقيق الأهداف الأمريكية - فجعل جل موظفي البيت الأبيض، وأركان إدارته ، ومستشاريه من اليهود أو من الذين عرف عنهم ولاؤهم الشديد لإسرائيل ،كما أوصل علاقات بلاده بإسرائيل إلى وضع لا مثيل له في العلاقات الدولية ،حيث وصلت المعونة الأميركية الرسمية إلى أكثر من ‏‏3‎‎ مليار دولار في السنة ،وشرعت إدارته ‏-‎‎ في إطار ما سمي التسوية السلمية ‏-‎‎ إلى الضغط علي الأطراف العربية في اتجاه دفع عملية "التطبيع" السياسي والاقتصادي مع إسرائيل دون التقيد بنتائج عملية التسوية السياسية ،ودعمت عقد مؤتمرات اقتصادية سنوية بهدف دمج إسرائيل اقتصادياً في المنطقة، كما وقعت أمريكا عدداً من الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية والاستخبارية مع إسرائيل ،وأحبطت كل الجهود العربية الرامية إلي توقيع إسرائيل علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية .هذا فضلاً عن استمرار الإدارة الأمريكية في: سياسة احتواء الدول المناوئة لإسرائيل، والتغاضي عن سياسات إسرائيل الاستيطانية ،والإصرار علي حمايتها في المحافل الدولية.

وهكذا ،فالمشروع الصهيوني ‏-‎‎ الحركة الصهيونية ثم إسرائيل بعد ذلك ‏-‎‎ اعتمد ‏-‎‎ في سعيه لتحقيق أهدافه ‏-‎‎ علي التحالف مع قوي دولية كبري وذلك في مقابل قيام إسرائيل بحماية مصالح تلك القوي في المنطقة العربية ،علي وضع يمكن القول معه أن التصدي لذلك المشروع يقتضي منا ،نحن العرب ،الاتحاد ونبذ الخلافات ،والعمل علي بناء قوة عربية قادرة علي إسقاط عري ذلك التحالف .

الصهيونية والتحالف مع الغرب. أمواج: فبراير 2000

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث