الجمعة، 2 شعبان 1438 - 28 نيسان / أبريل 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

الرد على الإساءات

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية وغيرها من المسئولين الأمريكيين عن عدم قدرتهم على منع عرض الفيلم المسىء للرسول عليه السلام، وهذا أمر صحيح فلا يوجد فى القانون الأمريكى ما يمنح الحكومة سلطة المنع، لكن الواقع شئ مختلف. وفى ذات الوقت يرى البعض عندنا أن المساس بإسرائيل وانتقاد ممارساتها أو التشكيك فى الهولوكوست، كلها من المحرمات فى الولايات المتحدة، وهذ أمر صحيح بقوة الواقع هناك وليس بالقانون.

وأذكر خلال دراستى فى الولايات المتحدة أن مشرفى الأكاديمى نصحنى بعد انتقادى لممارسات إسرائيل العدوانية والعنصرية خلال الانتفاضة الثانية، بأنه يمكن انتقاد سياسة الولايات المتحدة أو أية جهة أخرى أو حتى إنكار وجود الله، أما انتقاد إسرائيل -ولاسيما عنصريتها- فهو من المحظورات أمام الأكاديميين فى أمريكا.. للموضوع أبعاد ثقافية ودينية وأخرى سياسية، أبرزها نفوذ جماعات اللوبى الصهيونى فى أمريكا، لكن هناك أيضاً طبيعة النظام السياسى الأمريكى ذاته القائم على الانتخابات الدورية (مجلس النواب يعاد انتخابه كله كل سنتين)، وصعوبة تعديل الدستور والقوانين فى ظل سياسات الهيمنة القائمة من قبل جماعات وفئات محددة.

هذا شأن أمريكى، ويبدو من العبث بعد أكثر من ستين عاما مطالبة الأمريكان تعديل مواقفهم وسياساتهم إرضاءً لنا أو إحقاقا للحق. الأمريكان أنفسهم غير قادرين على مواجهة مشاكلهم هذه فى ظل علاقات القوة الداخلية عندهم. ولهذا فالصحيح هو عدم انتظار تغير مواقفهم وإنما التعامل معهم بمنطقهم وتغيير سياساتنا نحن تجاههم لدفعهم دفعا إلى تغيير مواقفهم. حكوماتنا السابقة لم تكن قادرة على هذا أما بعد الثورة فلا مبرر أبدا لتقاعسنا.

ليس المطلوب التظاهر وإحراق الأعلام واقتحام السفارات، فالعالم يستهجن هذه الأفعال وهى لن تعالج قضايانا العادلة. المطلوب هو ترجمة الغضب من تجاوزات الحمقى الذين صنعوا هذا الفيلم المقزز وترجمة الغضب من السياسات الأمريكية المزدوجة تجاه المنطقة والدعم المطلق لإسرائيل إلى عمل حقيقى يستهدف تقوية مصر والمنطقة وصنع سياسات خارجية قوية تحقق مصالحنا فى المقام الأول وتجبر الآخرين على احترامنا. هكذا تسير الأمور فى عالمنا المعاصر، وهكذا تفعل الدول القوية.

ولهذا الجهد أبعاد مختلفة، منها ما يتصل بتقوية المؤسسات الديمقراطية فى الداخل لحماية وتقوية السياسات والمواقف بشرعية وشعبية قوية. ومنها ما يتصل ببذل كل الجهد الممكن لوضع قوانين محلية واتفاقيات دولية تمنع الإساءة إلى الأديان والأنبياء والرموز الدينية، وهذا يحتاج إلى عمل سياسى ودبلوماسى وإعلامى قوى. ومنها ما يتصل بالعمل الثقافى والإعلامى فى الداخل والخارج لإظهار عدالة قضايانا الوطنية وكسب التعاطف الدولى معها، بجانب إظهار الوجه الحقيقى للإسلام بالطريقة التى يفهمها الغربيون.

أما نصرة الرسول الكريم فى الداخل فعمل آخر يتصل بقيادة الشباب للتصدى لكل السلوكيات التى دعانا الرسول الكريم إلى تجنبها، وقيادتهم نحو امتلاك أدوات القوة فى هذا العصر، وعلى رأسها التسلح بالعلم والمعرفة والتمسك بالحقوق والحريات والعمل على تأسيس دولة المؤسسات والقانون ومعارضة الفساد والاستبداد والإقصاء. للأسف نخبنا السياسية لم تفهم هذا الأمر بعد وانساقت بجهل واضح وراء ما تعتقد أنه نصرة للإسلام.

الرد على الإساءات، الوطن، 18 سبتمبر 2012.