الجمعة، 28 رمضان 1438 - 23 حزيران / يونيو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

مصر بين 25 يناير و30 يونيو

طباعة

تقييم المستخدم: / 2
ضعيفجيد 

alshorok1

وصلت البلاد إلى نقطة الصفر لكن بشكل أسوأ مما كنا فيه صباح 12 فبراير 2011 إذ هناك انقسام سياسى ومجتمعى حاد وصراع سياسى يريده البعض (بالداخل والخارج) أن يكون صفريا. إن الخروج يقتضى فهم الكثير من الأمور التى سبق وحذرنا منها، وندعو اليوم إلى استيعابها.

•••

التوافق والمشاركة الواسعة وتكتل القوى الرئيسة أثناء مرحلة التحول والتأسيس (وليس الأوزان النسبية الناتجة عن الذهاب المتسرع للانتخابات بدون توافق) أمور ضرورية ولا مفر منها أثناء التأسيس وتعديل الدستور، فلا انتخابات متسرعة دون توافق، ولا دستور متسرع دون توافق. والشرعية الدستورية الناتجة عن مثل هذا التوافق والمشاركة والرضا المجتمعى من الصعوبة أن تسقط أمام أى قوة قاهرة.

لقد سلكنا مسارا مرتبكا يعتمد على الأوزان النسبية فكان من الطبيعى أن ينتج عنه إطار دستورى وقانونى مختل ثم انتخابات مثلت بذاتها مشكلة جديدة بدل أن تكون جزءا من الحل. ولعب القضاء دورا سلبيا هنا بجانب أخطاء القوى السياسية.

تكون الانتخابات والاستفتاءات حلا لاختلاف وجهات النظر بالدول المستقرة ديمقراطيا وحيث يكون القضاء مستقلا ومحايدا فعلا وتكون هناك ممارسات ديمقراطية مستقرة. أما فى الدول التى تمر بمراحل انتقالية وتشهد استقطابات حادة فلا تكون الانتخابات (دون التوافق) حلا وإنما تؤدى إلى مزيد من الاستقطابات كما حدث بعد استفتاء مارس 2011.

وفى حالات الانتقال الثورى لا يمكن تجاهل الحالة الثورية ولا الاستهانة بأعداد المعارضين فى الشارع. فى السابق تجاهل الإخوان كل النصائح بعدم التخلى عن الميدان، واستهانوا ببضعة آلاف من الشباب، فانتهى الأمر لهذا السبب (ولأسباب أخرى كتسييس الدين والقضاء والجيش والإعلام ومحاربة البعض للإخوان..) إلى ثورة الملايين عليهم. واليوم الشعب منقسم سياسيا وايديولوجيا، والجهة المنتصرة تضم فرقا متعددة، وهناك تخوف حقيقى من عودة أنصار وممارسات النظام الفاسد قبل 25 يناير.

كما أن ترتيب الأولويات والتركيز على قضية مركزية أمر مهم للغاية. لقد تعددت بالسابق الأولويات (الشريعة، المحاكمات، حماية الإبداع، محاربة الإخوان..)، وتصور الإخوان أن بإمكانهم، منفردين، معالجة ما شاءوا من ملفات شائكة، وتفرق الشباب واختلفت مطالبهم. فساهم هذا كله فى ضياع هدفنا الاستراتيجى فى بناء نمط جديد من السلطة التشاركية التى تُنهى ممارسات السلطة القديمة، وتحمى الحريات، وتحقق العدالة، وتقضى على تبعيتنا للخارج.

•••

والخوف الآن هو من تكرار الأخطاء: لا يجب التأسيس على أساس المغالبة والأوزان النسبية المضادة. ولا يجب الاستهانة بمئات الآلاف وربما الملايين من الإخوان والإسلاميين المعتصمين بالميادين. تهميش هؤلاء سيعرقل المسار تماما كما كان تهميش شباب الثورة عقبة أمام الإخوان، كما سيدفع الآلاف إلى عنف لن نخرج منه قبل سنوات أو عقود.

والأولوية هى للإطار الدستورى والقانونى الكفيل بإقامة سلطة مدنية ودولة القانون والمؤسسات الديمقراطية وبإنتاج حكومات مدنية منتخبة تكون قادرة على فتح الملفات الشائكة تباعا وليس مرة واحدة. هذا الإطار الدستورى والقانونى ليس مباراة صفرية ولا يجب أن يلبى مصالح طرف على حساب طرف.

بجانب ضرورة وجود ضمانات حقيقية لعدم الخروج عن هذه الشرعية الدستورية ولمدنية السلطة وعدم تدخل الجيش لصالح فريق سياسى ما فى المستقبل. والخطوة الأولى نحو هذا الهدف هو مشاركة الجميع فى وضع هذا الإطار الدستورى بضماناته بما فى ذلك الإخوان.

وبمناسبة مدنية السلطة، أشير إلى أنه فى حالات الانتقال الناجحة لا يستقوى أى فريق سياسى بالجيش ولا يعقد الصفقات معه. وفى الحالات الثورية بالذات يكون الرهان كله على الشعب وحده وعلى استيعاب النخب لمخاطر تسييس الجيش وعلى قدرتها على الوصول لحلول وسط تحقق مكاسب للجميع. أما فى الحالات الفاشلة، فيتدخل الجيش عندما يغيب البديل الديمقراطى الحقيقى كما فى بنجلاديش وباكستان وفيجى وبورما وتايلند ونيجيريا والجزائر والسودان وغيرها.

فشلنا جميعا فى تشكيل هذا البديل الديمقراطى، فقد تحالف الإخوان مع الجيش لفترة، ثم استدعى التيار المدنى الجيش ضد الإخوان. وأدى فشل النخب فى النهاية إلى دفع الجيش للتدخل، لا للحكم بالضرورة، وإنما لإنقاذ البلاد من الوقوع فى اقتتال داخلى، وسيترتب على هذا نتائج عدة وسنحتاج جهدا كبيرا لمعالجة العلاقات المدنية العسكرية لاحقا. بجانب أن اقحام الجيش فى السياسة قد يترتب عليه آثار أخرى فى منطقة مليئة بالمخاطر ويُدبر لها أعداؤها منذ عقود. فهل من عقلاء؟

وبمناسبة الخارج، أشير إلى أن الكثيرين من النخب أخطأوا عندما راهنوا على الخارج. إن استدعاء قوى إقليمية أو دولية لنصرة فريق على آخر أمر كان من الممكن تجنبه لو فهمت النخب حقيقة ما جرى بمصر. كان يجب استثمار الحالة الثورية وقوة الجماهير لصنع حقائق جديدة وفرضها على الأرض لمواجهة الهيمنة الخارجية. ما حدث عندنا هو أن البعض ظل يفهم الواقع الجديد بأدوات النظام القديم وراح يبحث عن التأييد الخارجى بدلا من تقوية نفسه بالشعب، فكانت النتيجة مساعدة الآخرين فى تآمرهم علينا! وتسهيل الاختراق الخارجى!

•••

من الصعوبة تصور أن المسار الجديد سينجح دون مشاركة وتكتل جميع القوى من جهة، ودون التمسك بالأهداف الأصيلة لثورة 25 يناير ومحاكمة أقطاب نظام مبارك محاكمة عادلة وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية من جهة أخرى.

وكلما زادت مساحة التوافق واتسع نطاق المشاركة فى إدارة المرحلة، كلما انحسر تسييس القضاء واللجوء لساحات المحاكم لحل خلافات السياسيين، وكلما قلت الحاجة إلى استخدام الدين للحصول على مكاسب سياسية، وكلما ابتعد الجيش واطمأن لوجود بديل ديمقراطى قادر على إدارة الدولة.

وبدون هذا أتوقع أن تظهر تناقضات شتى وعقبات متعددة، ستؤدى جميعها إلى تحالفات جديدة، وظهور كتلة حرجة ثانية، فموجة جديدة للثورة. والله أعلم.

عبدالفتاح ماضي، مصر بين 25 يناير و30 يونيو، الشروق، 20 يوليو 2013

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث