الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون حول رؤية تطوير التعليم العالي في مصر

حول رؤية تطوير التعليم العالي في مصر

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

حول رؤية تطوير التعليم العالي في مصر

د. عبدالفتاح ماضي *

يجب، بدايةً، أن تُوجه التحية إلى وزارة التعليم العالي لتصديها لتطوير التعليم العالي وطرحها ورقة للمناقشة بعنوان "رؤية لتطوير القوانين والتشريعات التي تحكم مؤسسات التعليم العالي" وللسيد الوزير شخصياً لاهتمامه بمشروعات التطوير وعقده عدة اجتماعات لمناقشتها. فيما يلي بعض الخواطر حول الورقة:

أولاً: إصلاح التعليم العالي جزء لا يتجزأ من إصلاح مصر كلها، ويعتمد إلى حد كبير على نجاح جهود الإصلاح السياسي وإصلاح مجمل المنظومة التي تقوم عليها الدولة في كافة القطاعات وعلى كافة المستويات بدءاً من منظومة القيم والأطر المرجعية العليا ومروراً بالمؤسسات والهياكل التنظيمية والإدارية والمالية، وانتهاءً بدور الدولة ومؤسساتها. ولذا فإن جهود تطوير التعليم العالي المستوردة من الخارج لن يكتب لها النجاح في بلد يحكمه حزب واحد ويعاني شعبه الكثير من القيود على الممارسة السياسية، وأوجه كثيرة من الفساد وغياب الشفافية وتدهور القيم والأخلاقيات..

ثانياً: الورقة التي صدرت باسم "رؤية لتطوير.." جاءت في شكل نقاط مختصرة، برغم أنه يفترض ممن يتقدم بمقترحات تطوير أن يُسهب في كتابة تفاصيل البرامج المقترحة فيُحدد أوجه القصور في النظم الحالية والمقاصد العليا والأهداف التفصيلية لبرامج التطوير وآليات التنفيذ والمتابعة، وذلك لكي تصل الفكرة واضحة ويستطيع المطلع عليها الحكم على واقعيتها ومدى قابليتها للتطبيق في المجتمع المستهدف. فالشيطان يكمن دوما في التفاصيل، واللوائح التنفيذية في بلادنا تقتل العبارات العامة والمنمقة التي تنص عليها القوانين.

ثالثاً: يرتبط بما سبق أنه ليس من بين "مبررات صياغة إطار تشريعي جديد للتعليم العالي" ما آلت إليه أحوال الجامعات المصرية لا من قريب ولا من بعيد، كما لا تتضمن الورقة ترتيباً للأولويات أو للعقبات التي من الممكن ظهورها في التطبيق. وهذا في اعتقادي أمر في غاية الخطورة، فخطوات تطوير قطاع ما لابد أن تبدأ بتشخيص دقيق للوضع الحالي (بسلبياته وايجابياته والأسباب والجهات المسؤولة عن تلك السلبيات) وذلك للانطلاق منه إلى وضع أنسب الحلول لتطويره التي قد يتصل بعضها بالقوانين والتشريعات القائمة، وقد يتصل بعضها الآخر بالنظام السياسي القائم، أو بممارسات القائمين على التعليم أو هيئات التدريس أو عن تغير قيم المجتمع نفسه أو غير ذلك.

رابعاً: من الأمور الغامضة ما جاء في شأن مجانية التعليم، فحسب الورقة: "تدار المؤسسة التعليمية اقتصاديا كوحدة مستقلة" و"مجانية التعليم هي علاقة مباشرة بين الطالب والدولة، أما علاقة الطالب بالمؤسسة التعليمية فهي علاقة بين طالب خدمة تعليمية ومقدمها بمقابل" و"مجانية التعليم حق تكفله الدولة للطالب المستوفى للمتطلبات العلمية المقررة." هذه كلها عبارات مبهمة وتحتمل أكثر من رأي، وتُنبئ بأن الدولة في طريقها للتخلي عن التعليم العالي وترْك إدارته لآليات السوق ووضع الجامعات في يد مجالس أمناء. وهذا أمر لم تُقدم عليه أكبر الدول الرأسمالية، فالتعليم مجاني في دول مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما، كما أن أكبر الجامعات الأمريكية جامعات حكومية. نعم هناك مشكلة تتصل بالمجانية في مصر، لكنها نتجت في الأساس من إدارة الدولة للمجانية وليس من المجانية ذاتها، بمعنى أن هناك ممارسات وسياسات عديدة تراكمت على نحو أدى إلى تراجع مبدأ المجانية. وقد تفاقم الأمر مع انتشار ظاهرة الجامعات والمعاهد الأجنبية والخاصة وتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، وهما ظاهرتان لم تُشر الورقة إلى آثارهما السلبية على التعليم العالي في مصر. كما أن هناك مخاوف من سيطرة رجال الأعمال على مجالس الأمناء تلك فتتحول إلى مجالس للربح كما الحال في مؤسسات المال والأعمال.

خامساً: أمور التعيين والترقية والتنقل الخاصة بأعضاء هيئات التدريس تعاني من الغموض أيضاً على الرغم من أهميتها. فقد جاء بالورقة أن الإعلان المفتوح هو "الأساس في الترشيح/ الاختيار لكافة مستويات القيادات الجامعية..." و"لكل المستويات الأكاديمية من مساعد مدرس/ مدرس/ أستاذ مساعد/ أستاذ/ أستاذ تخصص..". لكن أليس هناك بعض التناقض بين التعيين بالإعلان مع النص في الورقة - أكثر من مرة - على تطوير نظام الترقيات؟ فالنظام الحالي – وكذا الحال في جُل جامعات العالم- يربط ترقي الأساتذة للمناصب الأعلى بإنتاج الأبحاث ونشرها وليس بالإعلانات المفتوحة. إن التعيين بالإعلان - في أمريكا مثلاً- يتم للوظائف الشاغرة، أما الترقية للمناصب الأعلى فتتم فقط من خلال نظام الترقيات كما يُفهم من اسمها. كما لم تقدم الورقة أي آليات للوقوف ضد المحسوبية والمجاملات وتدخل الأمن في التعيين؟ هذا فضلاً عن أن البعض أعرب عن مخاوفه من أن تستخدم هذه الطريقة للتخلص من الأساتذة المعارضين للنظام السياسي أو لتدخل أجهزة الأمن في شؤون الجامعات، وهذه مخاوف حقيقية في ضوء سلوك السلطة تجاه مطالب قطاعات أخرى في الآونة الأخيرة، حال ما حدث مع القضاة والصحفيين والنقابات المهنية، بل وحال ما حدث أثناء تعديل المادة 76 من الدستور.

سادساً: هناك أمور تم تجاهلها بالكامل أو جاءت مقتضبة، فعلى سبيل المثال اعتبارات الجوانب الأخلاقية والأمانة العلمية جاءت مرة واحدة ولم يتم -وهذا الأهم- الربط بينها وبين الأداء أو أي معايير للثواب والعقاب. كما ذكرت الورقة "الحريات الأكاديمية" مرة واحدة، فمن أسس فلسفة الرؤية: "حرية أكاديمية وإدارية ومالية في إطار الشفافية والمحاسبة المجتمعية". وبرغم أن الورقة عرضت، وفي أكثر من مكان، للاستقلال المالي والإداري، إلا أنها لم تتناول الحريات الأكاديمية وسبل تطبيقها لا في الأهداف ولا في الهيكل التنظيمي المقترح ولا في معالم التشريع. وبهذا تتجاهل الورقة الحريات المتصلة بالعمل البحثي مثل حرية الفكر وحرية التنقل وحرية المشاركة في الندوات العامة وحلقات النقاش والمشروعات البحثية، وكذا معايير النزاهة الأكاديمية والأمانة العلمية والحياد وحماية الطلبة من التلقين الإيديولوجي أو المذهبي أو الحزبي. أما العمل النقابي لأعضاء هيئات التدريس ونواديهم فليس هناك إشارة واحدة له أو للدور التي يمكن لتلك النوادي أن تقوم به في التطوير. في المقابل هناك إشارات مقتضبة إلى "حق الطالب في الترشيح واختيار ممثليه في المجالس..." هذا الحق موجود (على الورق طبعاً) فما التطوير في ذلك؟ المشكلة في التنفيذ... ثم ألا يرتبط هذا بالحريات السياسية في الدولة بشكل عام؟

سابعاً: ثمة عبارات تبدو الورقة معها وكأنها ترجمة لنصوص أجنبية، أو كأنها عبارات ونصوص مستخلصة من ورقة أكثر تفصيلاً وعمقاً، فمن مبررات التشريع الموحد: "دور المؤسسات التعليمية كمراكز بحث وتطوير، لها الريادة في برامج التنمية" أو وضع أشكال توضيحية دون الإشارة لها في النص أو شرحها وتوضيح دلالات الأسهم التي احتوتها. ومن الأمور غير المفهومة أيضاً النص على أن المجالس العليا ( المجلس الأعلى للجامعات والمعاهد العليا والكليات التكنولوجية) هي Think tank . وفي جزء آخر من الورقة جاء: "تفعيل نظم جديدة لتنسيق قبول الطلاب تتيح فرصة أكبر لتلبية رغبات الطلاب.." أين هذه النظم الجديدة؟ وكيف يمكن تفعيل شيء جديد لم تنص عليه الورقة في الأساس؟ من الضروري، إذاً، أن يحدد كاتبو الورقة مصادرهم والتجارب التي يحاولون محاكاتها، وذلك حتى يمكن المقاربة بين تلك التجارب وبين حالنا وما نريده في مصر.

وأخيراً وليس آخرا: لا يجب أن تتجاهل مشروعات التطوير دور الدولة، فمهمة مد الدولة مؤسسات التعليم بميزانيات حقيقية للبحث العلمي أمر أساسي في المرحلة الحالية نظراً لعدم إمكانية قيام القطاع الخاص – الآن - بهذه المهمة بالنظر إلى غياب ثقافة المشاركة في تمويل البحوث عنده، وغياب استراتيجيات التنسيق بين تلك المؤسسات واحتياجات المجتمع، وغلبة طابع الربح وغياب اعتبارات العمل الخيري والأهداف التنموية العليا عند الكثير من رجال الأعمال. كما أنه لا يمكن تجاهل دور الدولة المحوري في الحفاظ على اللغة والثقافة والهوية والقيم والثوابت الدينية والأخلاقية، وفي وضع معايير الشفافية والنزاهة والسهر على تطبيقها بشكل عادل. إنّ انسحاب الدولة من التعليم العالي دون وجود أنظمة اجتماعية وسياسية وإدارية قائمة على حكم القانون والشفافية أمر في غاية الخطورة على قطاع من أهم قطاعات المجتمع.

إنْ أرادت الوزارة الاستماع إلى آراء أعضاء هيئات التدريس في شأن التطوير عليها أولا استقبال مقترحات أعضاء هيئات التدريس في شأن أمرين، الأول تشخيصهم لأبرز المشكلات التي تعاني منها مؤسسات التعليم العالي في مصر وأوجه القصور والجهات المسؤولة عن ذلك، والثاني ترتيبهم للأولويات التي تحتاج إلى عمليات إصلاح وتطوير عاجلتين، ثم تقوم الوزارة بوضع محاور أولية للتطوير ومجموعة من الأهداف العليا على هدي ذلك التشخيص وتلك الأولويات، ثم تستقبل -من جديد- مقترحات أعضاء هيئات التدريس وتستشير كبار العلماء والخبراء في شأن تلك المحاور والأهداف وآليات تنفيذ الحلول المقترحة، ولتعمل بعد ذلك على صياغة مقترح تشريع أولي يُعرض على الجهات الرسمية. والله أعلم.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث