الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون أحمد التركي وأحمد المصري: ألا تشكل تركيا حرجًا لمصر؟

أحمد التركي وأحمد المصري: ألا تشكل تركيا حرجًا لمصر؟

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

أحمد التركي وأحمد المصري: ألا تشكل تركيا حرجًا لمصر؟

د. عبدالفتاح ماضي

ألا تشكل السياسة التركية الحالية أي حرج للحكومة المصرية؟ ألا يشعر السيد أحمد أبو الغيط بأي حرج وهو يشاهد السيد أحمد داوود أوغلو؟ وألا يشعر السيد أحمد نظيف بأي ضيق عندما يشاهد ما يفعله السيد رجب طيب أردوغان؟ الحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية نجحت في بضع سنين (سبعة حتى الآن) في تحقيق انجازات عدة، بينما حال حكومتنا معروف.

ففي الداخل حصل حزب العدالة والتنمية على أغلبية حقيقية في صناديق انتخابات ديمقراطية حقيقية مكنته من الحصول على كل المناصب العليا في الدولة، وتحقيق مؤشرات متقدمة في المجال الاقتصادي. هذا إلى جانب نجاح حكومته في تحجيم دور الجيش بالفصل بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية واستبدال مجلس الأمن القومي بهيئة تابعة لمكتب رئيس الوزراء وبأغلبية مدنية واخضاع ميزانية الجيش للبرلمان والرقابة القضائية. هذا بجانب العمل، في صمت وحكمة، في مجال إعادة قيم الهوية الإسلامية إلى تركيا ونشر الفضيلة، ومحاربة الدعارة وحظر المواقع المخلة..

وفي السياسة الخارجية، حققت الحكومة قدرًا كبيرًا من الإستقلال السياسي عن الولايات المتحدة، وبالمقارنة بمصر، فلم نسمع مسؤولا مصريًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا يقول شيئًا مشابهًا لما قاله الرئيس التركي عبدالله غُل من أنه "لا يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في التفرد في إدارة العالم ولابد لها من التنسيق مع قوى أخرى كبرى في هذا الكون، وأن نظامًا دوليًا جديدًا يبصر النور".. كما تصدت الحكومة التركية للانتهاكات الإسرائيلية في غزة وقلصت تعاملها مع الإسرائيليين، وكان آخر ما قامت به من إلغاء للمناورات المشتركة مع إسرائيل..

والأهم هو إدراك الحكومة لأهمية التعاون الإقليمي في زمن التكتلات، ولهذا كان تعميق العلاقات مع دول الجوار وخاصة إيران وسوريا.. ولما ذهب وزير الخارجية التركي أوغلو إلى الحدود السورية التركية لتوقيع وفتح الحدود بين البلدين سمعنا منه شيئًا ما سمعناه قط من أي مسؤول مصري من أن هذه الحدود لم تكن موجودة من 100 عام..

وهناك إنجازان تاريخيان آخران: الانفتاح على المسألة الكردية والبدء بالإعتراف بثقافتهم ولغتهم في الدولة التركية، والبدء في مصالحة تاريخية بهدف إنهاء العداء مع أرمينيا والإعلان عن حل ابتكاري لموضوع المذابح الأرمينية بتشكيل لجنة علمية من العلماء لدراسة الأرشيف العثماني بهدف حسم الموضوع تاريخيا... وربما يكون الصراع في قبرص بين تركيا واليونان المحطة التالية لإنجازات الثلاثي غول وأردوغان وأوغلو.

كيف تحقق هذا في بضع سنين؟ ظهر حلان لا ثالث لهما: الأول أن يعتدل الجانب العلماني وعلى رأسه الجيش في خطابه وفي سياساته تجاه الإسلاميين ويغير القناعات التي زرعها مصطفى كمال أتاتورك، والثاني أن يعتدل خطاب التيار الإسلامي تجاه العلمانيين وتتغير أساليب تعامله مع القضايا المختلفة.

انتصر الحل الثاني عندما آمن جيل جديد من الإسلاميين -وهم من تلاميذ أربكان وعلى رأسهم أردوغان وعبدالله غُل في نهاية التسعينيات - بواقعية الحل الثاني كبديل لخطاب أربكان وأسلوبه.. وكان لسان حال هذا الجيل الجديد هو لماذا الإصرار على مطالبة الغير بتغيير مواقفهم إذا كان بالإمكان الوصول إلى ما نريد إذا غيرنا نحن أنفسنا وأسلوب تعاملنا مع الآخر..

واستند فهم هذا الجيل إلى إدراك عميق وواع لحجم الأزمة التي تمر بها تركيا وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق أبناء هذا الجيل بعد عقود من محاربة الإسلاميين. ومن هنا كان اقتناعه بأن تغيير الخطاب والممارسة الإسلامية سيضع حدًا لحرب الدولة ضد الدين كما أنه سيمنع انفجار صراع حول الهوية في تركيا..

وتمثل تغيير النفس في كثير من الأمور: أولها تبني استراتيجية جديدة لترتيب الأولوليات، أو ما سماه البعض إعادة جدولة المعارك السياسية، كبديل للتحجر في المربع رقم واحد. فبدلا من الانشغال بالقضايا الفوقية وحسم الاشكاليات الكبرى حول الهوية التركية، أو التمسك بمقولات أو مواقف تاريخية، راح هذا الجيل يهتم بالقضايا المحسوسة للمواطن من بطالة وفقر وعدالة. ولهذا فإسلاميو تركيا اليوم يحاربون من أجل نهضة بلادهم اقتصاديًا واجتماعيًا وقيميًا بالاعتماد على سياسة التدرج والاهتمام بالمقاصد بدلا من الأشكال والقوالب... إنهم يهتمون بالانجازات على أرض الواقع ورفاهية الشعب التركي بدلا من المشاعر والأحاسيس والتاريخ.. وقد جلب لهم هذا أصوات الناخبين من المنتمين للحزب ومن المتعاطفين الذين كانوا يصوتوت للأحزاب العلمانية في السابق، الأمر الذي مكنهم من الإستمرار في الحكم فالتقدم أكثر وطرح أولويات أخرى..

هذا بجانب التخلي عن الخطاب التصادمي مع الغرب ومع العلمانيين، والتوقف عن استدعاء خطاب المؤامرة على الإسلام وعلى تركيا، واعتماد خطاب هادئ يركز على الانفتاح والتعامل مع الآخر في كل ما يساعد على تحقيق هدف محوري هو "بناء تركيا الحدثة والقوية". ولهذا فبدلا من استنزاف قوة التيار الإسلامي في معارك جانبية مع العلمانيين ومع الغرب كان الإصرار على التفرغ للعمل -بشكل تدريجي وبحذر شديد خوفًا من انقلاب الجيش- في مجال الحفاظ على القيم في المجتمع وإعادة القيم الإسلامية، وفي الانفتاح المحسوب والتعامل الماهر مع الأقليات.. وقد ساعد أسلوبهم الجماعي والشفافية في القيادة -بدلا من السرية والطاعة العمياء- على تحقيق كل هذه الأمور بقدر كبير من النجاح. ألا تقدم هذه الأمور دروسًا لنا نحن في مصر؟

وحسب اعتقادي حتى تكون الإجابة بالسلب على الأسئلة التي وردت في بداية المقال فقد كان على حكومة مصر انجاز أمور بحجم الأمور التالية: إجراء أول انتخابات ديمقراطية في مصر تضمن تداولا سلميا على السلطة - تحقيق طفرة اقتصادية يستفيد منها الفقراء والطبقات المحرومة في مصر بدلا من خلق امتيازات جديدة أو بناء شاليهات في الساحل الشمالي لطبقة محدودة من الشعب - تنمية سيناء والصعيد وانصاف أهل النوبة - التصدي للغزو الثقافي الأجنبي وعلى رأسه الحرب القائمة على اللغة العربية في الإعلام وفي التعليم - تحقيق قدر من الإستقلالية عن الولايات المتحدة وتحدي سياساتها في العراق وفلسطين ولبنان لتحقيق المصالح العربية - فك الحصار عن غزة والتحيز للجانب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال - رعاية مصالحة تاريخية في السودان تمنع انفصال الجنوب وتحل مشكلة دارفور – إجراء مصالحة تاريخية مع إيران، والتحالف مع سوريا والسعودية. بالطبع كل هذه الأمور تمثل أحلامًا للمصريين في ضوء فشل الحكومة في رفع القمامة أو تنظيم المرور أو توفير الخبز..

وأخيرا، فبقدر سعادتي برؤية أحمد داوود أوغلو وهو يتنقل من عاصمة إلى أخرى ليحقق لبلاده الإنجاز تلو الإنجاز بقدر ما يحزنني متابعة السيد أحمد أبوالغيط.. الفارق بين أحمد التركي وأحمد المصري هو أن الأول رجل له رؤية ويعمل ضمن حكومة منتخبة من الشعب وينتمي إلى حزب حقيقي له برنامج سياسي ويمتلك مشروع سياسي يستهدف نهضة تركيا في الداخل والخارج، بينما الثاني ليس له مواقف حقيقية في معظم المسائل التي تواجهها دولته ليس لضعف قدراته الشخصية وإنما لضعف دولته وضعف شرعية الحكومة الذي يعمل فيها وعدم وجود أي مشروع سياسي لها.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث