الأربعاء، 3 ذي القعدة 1438 - 26 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون الأيام دول وللتغيير ثمن

الأيام دول وللتغيير ثمن

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

الأيام دول وللتغيير ثمن - د. عبدالفتاح ماضي- المصريون مارس 2007

لم يخبر العالم العربي حتى الساعة أياً من الطرق التي تم عن طريقها انهيار وتغير نظم الحكم المستبدة- الفردية والعسكرية والماركسية - في معظم أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ليظل العالم العربي وحده ممانعاً لموجات التحول تلك، وليبقى الزعماء العرب من أكثر الزعماء بقاءً في كراسي الحكم. إن أدوات التغيير عند غيرنا لا زالت تعمل - حتى اليوم - كأدوات للحفاظ على الوضع القائم.

فالجيش الذي لعب دوراً محورياً في إنهاء سيطرة الحكام المستبدين في بعض دول العالم الثالث يتم تحييده والسيطرة عليه في عالمنا العربي، وذلك من خلال السيطرة التامة على الجيش وإنشاء أجهزة أمنية متعددة تراقب بعضها البعض، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية لتتدخل في أمور القطاعات الرئيسية للدولة. أدى هذا – حتى اليوم - إلى تحييد الجيش في لعبة التغيير السياسي أو انشقاق الجيش وتأييده للمعارضين، أي إلى الحفاظ على الوضع القائم. يحدث هذا في معظم الدول العربية الجمهورية والملكية على حد سواء، وذلك على عكس الحال في الفلبين مثلا عندما استطاع الجيش - الذي ظل متمتعاً بشيء من الاستقلالية تحت حكم الدكتاتور ماركوس - من الاصطفاف مع الجماهير الثائرة والمعارضين والإطاحة بماركوس. وحدث الشيء ذاته في رومانيا عام 1989.

والمجتمع المدني الذي يفرز معارضين وإصلاحيين وقوى للتجديد والتغيير والبناء تم السيطرة عليه وتدجينه لصالح النظام. السيطرة التامة على الدولة والمجتمع تمت من خلال إقامة شبكة معقدة من عمليات الترهيب والترغيب والتسيب وتقنين الفساد بهدف نهائي هو تسخير مؤسسات الدولة وهياكلها التنفيذية والتشريعية في خدمة الصالح الخاص للحاكم وللدائرة المحيطة به والمستفيدة منه ومن بقاء نظامه من جهة، وتفريغ المجتمع من أية قوة سياسية قد تبدو بديلاً للحكومة القائمة أو حتى منافساً لها من جهة أخرى. السيطرة هنا تامة أي تمتد إلى جُل قطاعات المجتمع الرئيسية فآليات الترهيب والترغيب والتسيب تمتد من أصغر موظف في المصالح الحكومية الصغيرة إلى أكبر موظف في مؤسسات الدولة الحيوية، وتشمل من يعمل بالدولة ومن يتعامل معها ومن لا يتعامل معها، وتضم الغني والفقير: فالكل موزع بين من يريد يد النظام المانحة للمال أو المنصب أو الشهرة أو للتراخيص أو يد النظام المتغاضية عن المخالفات أو المتسترة على التجاوزات أو كل ما سبق معاً من جهة، وبين من يخاف من قبضة النظام الباطشة والمدمرة والمشوهة للسمعة من جهة أخرى. وهذا كله يعمل على الحفاظ على الوضع القائم.

أما العامل الخارجي الذي كان عاملاً حاسماً في انهيار نظم حكم مستبدة والتحول نحو الديمقراطية فيلعب حتى الساعة دوراً سليباً في العالم العربي. فالأنظمة العربية التي تعتمد على الدعم الخارجي، وتلك التي لا تعتمد على هكذا دعم، استطاعت أن تُسخر علاقاتها بالقوى الدولية لصالح بقائها في الحكم وأن تحصن نفسها ضد دعوات التغيير والإصلاح. فالمجموعة الأولى استطاعت أن تسخر ما تأخذه من دعم مالي واستراتيجي للسيطرة على المجتمع مستخدمة بعبعاً اسمه الإسلاميين تارة وهدف تأمين المصالح الغربية في المنطقة تارة أخرى. أما الأنظمة العربية التي لا تعتمد على الدعم الخارجي فلعبت مواردها المالية وثرواتها الطبيعية دوراً محورياً في تأمين تلك الدول ضد أن تكون تابعة لقوى كبرى قد تفرض عليها بعض القيود في شأن قمع المعارضين ومراقبة حقوق الإنسان. كما رفع بعضها شعارات مناهضة الاستعمار والقوى المتربصة بالعرب فحققت شرعية زائفة في الشارع مكنتها من مقاومة ضغوط الإصلاح والتغيير أيضاً. وهذا كله كان ولا يزال يحافظ على الوضع القائم.

القمع والعنف ضد المتظاهرين الذي في حالات أخرى أدى إلى التغيير الثوري أو دفْع النخب المعارضة إلى مزيد من الضغط على الحكام فإلى انهيار الاستبداد لا يزال أداة ناجحة في يد الحكومات العربية. إذ يتسم قمع الأنظمة للمعارضة بأنه يتم بشكل جذري ودائم، ويتجه إلى المعارضة المعتدلة منها والمتشددة، ويستخدم كل الوسائل الناعمة وغير الناعمة. وهذا القمع أدى إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى أنه أدى إلى تفتيت المعارضين والحيلولة دون ظهور ائتلاف معارض قوي قادر على تحدي الحكومة القائمة. أما النتيجة الثانية فهي أنه قلل من فرص ظهور طبقة من الإصلاحيين المعتدلين داخل الأنظمة الحاكمة نفسها، تكون قادرة على الضغط من أجل إصلاح سياسي حقيقي من داخل النظام قبل انهياره، وذلك كما حدث في كثير من الدول، أو بعد غياب الدكتاتور كما حدث في إسبانيا بعد موت فرانكو. في العالم العربي حتى عندما استطاع بن علي في تونس فعل ذلك وإزاحة بورقيبة انتهى به الأمر إلى محاكاة النموذج القديم ليعود الأمر إلى نقطة الصفر من جديد. والأسد الابن كان أمامه فرصة تاريخية للشروع في تحول ديمقراطي لكنه لم يفعل لأن نظام الأب كان قد قضى على كل معارضة في الداخل وأفرغ النظام ذاته من أي عناصر إصلاحية.

وهناك بالإضافة إلى ما سبق قدرة الأنظمة الحاكمة على التكيف والتأقلم مع المتغيرات والضغوط والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك عن طريق سياسات تهدئة من خلال بناء مؤسسات جديدة أو مجالس قومية عليا أو تبني سياسات تستهدف التخفيف من حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في المقام الأول أو اللجوء إلى آلية الانتخابات أو تعديل الدستور لإبراز الانطباع بأن الدولة في طريقها إلى الديمقراطية، وذلك كما حدث في مصر. أو من خلال استغلال الأزمات الحادة للانقضاض على المعارضين وسحقهم كما حدث في سوريا بعد الاصطدام بالإخوان وفي العراق مع ثورات الشيعة والأكراد بعد 1991 وكما حدث مع الاضطرابات الشعبية في تونس عامي 1983 و1987 وفي الجزائر عام 1988.

وعلى الرغم من ذلك فالعالم العربي ليس استثناءً، فقبل انهيار النظم التي انهارت -في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب وشرق أوروبا- لم يكن أحد يتصور ذلك انهيارها أو حتى مجرد الشروع في الإصلاح والتغيير. فالأيام دول، وللتغيير ثمن، وتجارب الآخرين قابلة للتكرار ولو بطرق مختلفة. رحم الله عبدالرحمن الكواكبي، القائل في"أم القرى"(1923): "إن الهرب من الموت موت، وطلب الحياة حياة، وأن الخوف من التعب تعب، والإقدام على التعب راحة، وأن الحرية هي شجرة الخلد، وسقياها قطرات من الدم المسفوح."

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث