الأحد، 28 جمادى أخر 1438 - 26 آذار / مارس 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات المصريون غزة وحماس والأمن المصري

غزة وحماس والأمن المصري

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

غزة وحماس والأمن المصري - د. عبدالفتاح ماضي -المصريون - ديسمبر 2008

سيكون من العار لو ثبت أن الصمت والعجز العربي لسنوات قد تطور إلى تآمر عربي إسرائيلي ومشاركة في مخطط للقضاء على حماس وحصار أهل غزة وقصفهم بالشكل الذي تحدث عنه بعض الصحفيين والمتابعين أثناء الاعتداء الصهيوني الغادر بالطائرات والصواريخ الأمريكية على غزة ومقرات حماس. حماس أصبحت خطراً على الأمن القومي وصار التنسيق العربي الصهيوني لتصفيتها من متطلبات الأمن العربي كما تتصور بعض الحكومات العربية. وفي هذا خلط للأوراق وضرب للأمن القومي المصري الحقيقي في الصميم، وإشعال للمنطقة كلها في داخل كل دولة وبين الدول العربية. فيما يلي ملاحظات ثلاث:

أولا: إسرائيل وليس حماس هي الخطر على الأمن المصري والعربي: فحماس ليست خطرا على الأمن القومي المصري لأنها تقوم بعمل تخلى عنه كل الأطراف بدءاً من مصر نفسها مرورا بالأردن وانتهاءً بالجناح المسيطر على حركة فتح اليوم، أي بالدفاع عن ما تبقى من كرامة في الدفاع عن ما تبقى من فلسطين التي ضيعها العرب. إنّ مقاومة المحتل ليس إرهاباً ولا تخريباً ولا يجب أن يجرم ويحاصر. ولا يجب اتهام الضحية وتحميلها مسؤولية ما يحدث لها من تنكيل وقتل لأنه يختلف إيديولوجيا وفكرياً مع الحكومات.

إسرائيل – وليست حماس – هي الخطر على مصر منذ 1948. فإسرائيل هي التي احتلت غزة وطردت منه الجيش المصري عام 1948، وهي التي احتلت سيناء مرتين 1956 و1967، وهي التي قتلت الأسرى المصريين، وهي التي استطاعت بعد نصر 1973 الحصول، على طاولة المفاوضات، على مكاسب أكثر من مكاسب مصر، وآخر هذه المكاسب الإسرائيلية المجانية هو الغاز المصري المدعوم. هذا بجانب الطابور الطويل من الجواسيس التي أرسلتها تل أبيب إلى الأراضي المصرية، والمخدرات، والأوبئة في إطار تطبيع زراعي رعته للأسف الحكومة بعد أن نجح الشعب المصري، بفئاته المختلفة، من وقف أوجه التطبيع الأخرى..

ثانياً: إضعاف حماس إضعاف لمصر: فلو افترضنا أن الأطراف التي تخلت عن المقاومة - أي السلطة والأطراف الداعمة لها عربياً وعلى رأسها مصر - تؤمن فعلا بأن التفاوض مع الإسرائيليين سيؤدي إلى مكاسب عربية ما من هذا المسار التفاوضي، فعلى السلطة ومصر أن يستغلا المقاومة للحصول على المزيد من المكاسب على طاولة المفاوضات، فهكذا تسير الأمور في أي عملية تفاوضية. إن إضعاف حماس إضعاف لمصر وللسلطة وللعرب، ولهذا فاستهدافها سياسيا من مصر والسلطة والاشتراك في حصارها بشكل غير مباشر بل والسكوت عن استهداف إسرائيل لها عسكرياً، بتحميل حماس المسؤولية بشكل مباشر أو غير مباشر، أمور لا يقوم بها إلا شخص يجهل أبجديات التفاوض والمناورة السياسية. فنتائج أي عملية تفاوضية تحددها مكاسب كل طرف على الأرض، ولهذا فالاستسلام على الأرض وإلقاء السلاح هو الوصفة السحرية لاستمرار اغتصاب الأرض وضياع الحقوق. لابد أن يكون للاحتلال ثمن حتى تُدفع قوات الاحتلال دفعا إلى التنازل على طاولة المفاوضات، هكذا تُعلمنا تجارب التحرر من فيتنام والجزائر وجنوب إفريقيا وفرنسا وغيرها.

ثالثاً: ما نحتاجه الآن هو التحرك الشامل، فلسطينياً ومصرياً وعربياُ: فأي تحرك فلسطيني ومصري وعربي لابد أن يتجاوز الصراخ في المؤتمرات الصحفية والتأكيد فقط على أن هدف هذه المرحلة هو "إيقاف العمليات العسكرية ووقف النار" و"تجديد الهدنة بين حماس وإسرائيل" إلى أفعال سياسية حقيقية إذا أرادت هذه الأطراف فعلاً مواجهة جرائم الحرب الصهيونية، ففلسطينياً لابد من إنهاء الانقسام الفلسطيني بتشكيل هيئة وطنية جامعة تضم كل الفصائل الفلسطينية (دون النظر في أوزان هذه الفصائل في الشارع ودون، بالطبع، اللجوء إلى آلية الانتخابات لاختيار ممثليها) وبقيادة وطنية موحدة لإدارة مشروع وطني موحد هو مواجهة الاحتلال بكافة الطرق الممكنة. ولن يتم هذا إلا بحل كل مؤسسات السلطة في رام والحكومة المقالة في غزة والإعلان رسمياً عن انتهاء ما يسمى العملية السلمية، والشروع في وضع أسس إستراتيجية جديدة لمواجهة الاحتلال.

أما مصرياَ وعربياَ فلا مفر من أن يتواكب التحرك الفلسطيني مع تحرك مصري وعربي داعم للشعب الفلسطيني وهيئته الوطنية الجامعة من جهة وضاغط على الطرف الإسرائيلي من جهة أخرى. وهنا لا يكفي التنديد والوعيد بأن العرب سيقومون باتخاذ مواقف حاسمة وسيصعدون الأمر إلى مجلس الأمن وغير ذلك من الأمور التي دأبت مجالس وزراء الخارجية والجامعة العربية على ترديدها في أعقاب كل اعتداء إسرائيلي، وإنما الحد الأدنى من التحرك العربي لابد أن يشمل قيام مصر والدول العربية الأخرى بوقف كل أنواع التطبيع والتفاوض واللقاءات مع المسؤولين الإسرائيليين وغلق سفارتي إسرائيل في القاهرة وعمان والمكاتب التجارية الإسرائيلية في بعض العواصم الخليجية واستدعاء السفيرين المصري والأردني من تل أبيب، واستخدام كل الأوراق المتاحة، لدى مصر على وجه الخصوص، وهي كثيرة، للضغط على الإسرائيليين. إن تحرك مصر، الدولة المحورية الأولى في المنطقة، (وليس الإدارة الأمريكية الحالية أو الرئيس المنتخب أوباما أو الإتحاد الأوروبي) كفيل بمفرده لدفع الدول الأخرى للتحرك ودفع الإسرائيليين للتفكير ملياً قبل أي عمل يقدمون عليه، بل وكفيل بدفع الأطراف الدولية المؤثرة إلى إعادة النظر في مواقفها المتخاذلة تجاه ما يجري.

ولابد أن يتواكب هذا مع تحرك عربي شعبي، وبدعم رسمي، على أكثر من صعيد. فأولاً يجب كسر الحصار على القطاع وفتح المعابر مع مصر.. فلم يكن من الضروري انتظار مقتل المئات حتى نسمح بدخول المساعدات المصرية والعربية والدولية لأهل غزة. فأهل غزة لا يطلبون منذ شهور السلاح لمواجهة الطائرات والصواريخ، وإنما يحتاجون إلى الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية. أما المجال الثاني فهو التحرك دولياً وإعلامياً لتعرية جرائم الحرب الإسرائيلية وفضحها أمام الشعوب، والمطالبة بمحاكمة كل مجرمي الحرب الصهاينة أمام المحكمة الجنائية الدولية. ولئن كان من الصعب الوصول فعلا إلى مرحلة المحاكمة في المدى المنظور فإن الإعداد لها ونشر كل ما يدين هؤلاء المجرمين وتعرية جرائمهم الجبانة أمام كل أحرار العالم مكسب هام وخطوة ضرورية على طريق التحرير.

وهناك أخيراً التحرك داخل العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطون، لتعرية جرائم الحرب الصهيونية التي ترتكبها قوات الاحتلال بأسلحة أمريكية الصنع وبمعونات مالية وعسكرية ومعنوية، والتواصل مع القوى والمنظمات الغربية التي تعمل ضد العنصرية والاحتلال. لابد أن يعرف الشعب الأمريكي أن الأسلحة والمعونات، التي يتحملها دافعو الضرائب، لا يجب أن تخترق القوانين الأمريكية ذاتها التي تمنع استخدام الأسلحة الأمريكية ضد المدنيين وتمويل المستوطنات على أراض محتلة.

على الحكومات العربية أن تدرك أن إسرائيل، بكيانها العنصري والاستعماري الحالي، لا تريد سلاما مع العرب وإنما الهيمنة وتصفية القضية الفلسطينية والإيقاع بين العرب واستمرار التجزئة والتشرذم العربي.

المرحلة لا تريد أشخاصاً يشبهون حماس بكفار قريش، وإنما تحتاج رجالاً يصنعون الحدث وينالون احترام شعوبهم في الداخل ويساعدون الشعوب الأخرى والمحافل الدولية على رؤية حقائق قضيتنا العادلة.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث