الثلاثاء، 5 المحرم 1439 - 26 أيلول / سبتمبر 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network
الرئيسية مقالات رأي OP-ED مقالات الجزيرة الأبارتيد الإسرائيلي ومركزية القضية الفلسطينية

الأبارتيد الإسرائيلي ومركزية القضية الفلسطينية

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

 Aljazeera March2017

عبدالفتاح ماضي، الأبارتيد الإسرائيلي ومركزية القضية الفلسطينية، الجزيرة.نت 29 مارس\آذار 2017

صدر في 15 مارس/آذار 2017 تقرير اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) مؤكدا أنه ثَبُتَ على أساس تحقيق علمي وأدلة لا يتطرق إليها الشك أن دولة الاحتلال الإسرائيلي "مذنبة بجريمة الأبارتايد" كالتي كانت في جنوب أفريقيا.

ليس صحيحا أن التقارير الدولية لا قيمة لها في صراعنا مع المشروع الصهيوني، فهي تقوم بوظيفة أساسية هي كشف المغالطات التي تسمح بحصول دولة الاحتلال على قدر من الشرعية الدولية، بجانب أنها تسهم في دحض الأكذوبة التي تقول إن قضية فلسطين لم تعد قضية العرب المركزية.

زيف الشرعية الدولية

من المعروف أن الصهيونية لم تقم بحد السيف فقط، وإنما هي ثمرة لخطة منهجية يمثل العمل المسلح فيها أداة واحدة بجانب أدوات أخرى اقتصادية وثقافية ودينية ودعائية، بجانب وجود صك دولي يُضفي قدرا من الشرعية على المشروع الاستعماري. وتمثل هذا الصك في قرار التقسيم (1947) ثم اعتراف الدول الكبرى بالدولة الصهيونية كدولة طبيعية مثلها مثل بقية الدول.

يزعزع تقرير الإسكوا الأخير، وغيره من التقارير المشابهة، هذا البعد المتصل بالشرعية الدولية، لأنه يكشف زيف الادعاء بأن الدولة الصهيونية دولة طبيعية ويثبت بالأدلة القاطعة الأسس القانونية لمنظومة كاملة من الأبارتايد.

يتميز التقرير بإيضاح ثلاث مغالطات على الأقل حسب الدكتورة ريما خلف، المديرة التنفيذية المستقيلة للإسكوا والتي لقنت السياسيين العرب درسا في المقاومة والوطنية، وهي أن الظلم الواقع على الفلسطينيين لم يبدأ عام 1967 وإنما منذ تأسيس دولة الأبارتايد عام 1948، وأن هذه الدولة تخرق القانون الدولي وترتكب جريمة أكبر ضد الإنسانية كلها بإقامة نظام عنصري، وأن مشكلة فلسطين لا يمكن حلها بإقامة دولتين وإنما بتفكيك نظام الفصل العنصري.

"
من المعروف أن الصهيونية لم تقم بحد السيف فقط، وإنما هي ثمرة لخطة منهجية يمثل العمل المسلح فيها أداة واحدة بجانب أدوات أخرى اقتصادية وثقافية ودينية ودعائية، بجانب وجود صك دولي يُضفي قدرا من الشرعية على المشروع الاستعماري
"

كما كشف التقرير عن الإستراتيجية المتبعة لتنفيذ نظام الأبارتايد وهي إستراتيجية تفتيت الشعب الفلسطيني لأربع مجموعات هي: الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، والفلسطينيون بالقدس الشرقية، والفلسطينيون بالضفة الغربية وغزة، والفلسطينيون اللاجئون أو المنفيون بالخارج.

والواقع أن الأمم المتحدة ظلت تتبنى النتيجة النهائية للتقرير لأكثر من 15 عاما عبر قرار جمعيتها العامة رقم 3379 (1975) الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال "العنصرية والتمييز العنصري"، وذلك حتى تم إلغاؤه بضغط أميركي وإسرائيلي في ديسمبر/كانون أول 1991.

هذا فضلا عن قيام العديد من اللجان والمنظمات الدولية وعدد من الخبراء والمفكرين بالنظر إلى ممارسات دولة الاحتلال بأنها ترقى إلى سياسة الفصل العنصري والمطالبة بفرض عقوبات عليها وتفكيك منظومتها العنصرية.

مصادر الأبارتايد الصهيوني

إن رفع التقرير من الموقع الإلكتروني للإسكوا بعد ضغوط أميركية وصهيونية والإعلان عن أن التقرير لا يمثل الأمين العام يذكر بإلغاء قرار 3379 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية.

فإلغاء قانون 3379 لم يلغ المصادر التي استند إليها وهي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1904 (1963) "للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري"، وقرار الجمعية العامة رقم 3151 (1973) "بإدانة التحالف الآثم بين العنصرية في جنوب أفريقيا والصهيونية"، وإعلان المكسيك (1975) الذي أعلن أن التعاون والسلم الدولیین یتطلبان إزالة عدة أشياء منها الاستعمار الجدید والصهیونیة والفصل العنصری.

وبالمثل لا يلغ رفع تقرير الإسكوا المصادر التي استند إليها التقرير، ومنها ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري (1965)، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (2002)، والاتفاقية الدولية بشأن قمع جريمة الفصل العنصري ومعاقبة مرتكبيها (1973)، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل (2004). هذا فضلا عن النظام الإسرائيلي ذاته الذي يستند لمجموعة قوانين عنصرية كالقوانين التي تنظم الأراضي وقانون العودة وسياسات ما أسماه التقرير الهندسة الديمغرافية التي تميز ضد العرب على أساس الدين.

بل ويجب القول إن هناك عدة أسس ومصادر أخرى تغذي الأبارتايد الإسرائيلي لم يتطرق لها تقرير الإسكوا بحكم منهجيته القانونية، أهمها مناهج التعليم، وفتاوى الحاخامات، ومضامين الدعاية الصهيونية، ونتاج البحوث التاريخية والجغرافية المزيفة، وعمليات التهويد، وهناك أيضا ممارسات القتل والتنكيل في جُل قطاعات المجتمع.

"
هناك عدة أسس ومصادر أخرى تغذي الأبارتايد الإسرائيلي لم يتطرق لها تقرير الإسكوا بحكم منهجيته القانونية، أهمها مناهج التعليم، وفتاوى الحاخامات، ومضامين الدعاية الصهيونية، ونتاج البحوث التاريخية والجغرافية المزيفة، وعمليات التهويد، وهناك أيضا ممارسات القتل والتنكيل
"

فضلا عن وجود رأي عام يفضل إقامة نظام فصل عنصري. فحسب الاستطلاع الذي نشرته هآرتس (أكتوبر/تشرين أول 2012) أيدت غالبية المستطلع رأيهم من الإسرائيليين إقامة نظام أبارتايد في "إسرائيل" على غرار ما كان في جنوب أفريقيا وذلك في حال فشل حل الدولتين وضم أراضي الضفة والقدس الشرقية. وأعرب 74% عن ضرورة إقامة طرق خاصة تفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين بالضفة إذا تم ضمها مستقبلا، وأيد 41% ترحيل الفلسطينيين خارج أراضيهم، وطالب 69% بحرمانهم من حق الانتخاب في الدولة الواحدة.

وبخلاف مئات الدراسات العربية والغربية التي أثبتت منظومة التمييز الإسرائيلي منذ 1948، هناك أيضا تصريحات كثير من السياسيين الإسرائيليين والغربيين والأمميين، فقبل صدور تقرير الإسكوا بيومين أعلن عضو الكنيست من حزب العمل عومر بارليف أن الأوضاع بالضفة الغربية تقترب من الأبارتايد بشكل يومي. وفي مايو/أيار 2014 استخدم وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري كلمة "أبارتايد" لوصف ما قد يكون مستقبل "إسرائيل" في حال عدم الوصول إلى اتفاقية سلام على أساس حل الدولتين. وفي يناير/كانون ثان 2015 أعلن أفيغدور ليبرمان (وزير الدفاع الحالي) ردا على المتدينين الذي يريدون ضم الأراضي المحتلة "عليهم الاختيار إن كانوا يتكلمون عن دولة ثنائية القومية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط كتلك التي يتحدث عنها الرئيس [رؤوفن ريفلين]، أم أنهم يتحدثون عن دولة أبارتايد".

مركزية القضية الفلسطينية

تؤدي الإدانة الدولية لممارسات دولة الأبارتايد الإسرائيلي وظيفة أخرى مهمة. فقد شرع بعض السياسيين والباحثين الغربيين والإسرائيليين في السنوات الأخيرة في المقارنة بين ضحايا القضية الفلسطينية وضحايا الصراعات العربية في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر، للانتهاء إلى القول بأن لدى العرب ما هو أهم وأكثر ألما من فلسطين، وأن قضية فلسطين ما عادت تمثل القضية المركزية عند العرب.

هذه أكذوبة لا تنطلي على جل العرب والكثير من المنصفين حول العالم. فالصراعات العربية الحالية نتاج غزو أميركي غربي أو انقلابات وثورات مضادة، وهي كغيرها من الصراعات المشابهة ستنتهي إن عاجلا أو آجلا، أما قضية فلسطين فهي القضية المركزية ولابد من معالجتها إن أردنا أن يعم الأمن والسلم الدوليين المنطقة والعالم.

إن مركزية القضية الفلسطينية وعدالتها تأتي من طبيعة دولة الاحتلال ومشروعها الاستعماري القائم على التوسع واحتلال أراضي الغير في الخارج وعلى العنصرية والقمع في الداخل، وتأتي من خرق هذه الدولة القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، وكذا القوانين المحلية الأميركية التي تنظم تصدير السلاح والمعونة الخارجية. وتأتي أيضا لأن عشرات القرارات الأممية قد صدرت لإدانة ممارسات دولة الاحتلال وقوانينها.

كما أن أي قياس دقيق للرأي العام العربي يثبت مركزية القضية الفلسطينية لدى غالبية العرب، فحسب المؤشر العربي الصادر مؤخرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة فإن نحو 86% من المستطلع آرائهم يرفضون أن تعترف بلدانهم "بإسرائيل" لأسباب "معظمها مرتبط بالطبيعة الاستعمارية والعنصرية والتوسعية" لها وبـ"استمرارها في احتلال الأراضي الفلسطينية"، مقابل 9% يقبلون الاعتراف. بجانب أن 68% يرون أن "إسرائيل" وأميركا معا هما الأكثر تهديدا لأمن الوطن العربي.

"
المشروع الصهيوني مشروع متعدد الأبعاد، ولهذا فمقاومته لابد أن تكون متعددة الأبعاد. وكشف ممارسات دولة الأبارتايد الإسرائيلي ودحض أكاذيبها وتعرية شرعيتها الزائفة عبر التقارير الدولية المنصفة وحملات المقاطعة أمور في غاية الأهمية
"

وليس صحيحا أيضا القول إن استخدام حكومات عربية القضية الفلسطينية لتبرير أنظمة القمع والاستبداد يدعم لامركزية القضية. فالصحيح هو أن هذا الاستخدام يدعم مركزية القضية ويؤكد أنه لا فصل بين تحرير فلسطين من الأبارتايد وبين التحرر من الاستبداد والقمع.

ما العمل؟

المشروع الصهيوني مشروع متعدد الأبعاد، ولهذا فمقاومته لابد أن تكون متعددة الأبعاد. وكشف ممارسات دولة الأبارتايد الإسرائيلي ودحض أكاذيبها وتعرية شرعيتها الزائفة عبر التقارير الدولية المنصفة وحملات المقاطعة أمور في غاية الأهمية.

والواجب اليوم هو الاستناد إلى تقرير الإسكوا وأدلته ومصادره المختلفة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة دولة الأبارتايد الإسرائيلي ومقاضاتها على جريمة الفصل العنصري.

وقد حددت الدكتورة ريما خلف الخطوات الواجب على الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إتباعها للاستفادة من التقرير. فلأجل وصف "إسرائيل" بأنها دولة فصل عنصري على مستوى الدول ينبغي أن تتقدم دولة بذلك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت على اتخاذ قرار بهذا الشأن، وبمجرد اتخاذ القرار ستترتب مسؤوليات ملزمة على الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بعزل تام لمرتكبي جريمة الفصل العنصري ومقاطعة دولة الاحتلال وإزالة منظومة الأبارتايد. أما على مستوى الأشخاص فيمكن للشخص المتضرر ملاحقة "إسرائيل" في محاكم أجنبية. وهذه المسؤوليات الملزمة تعني أن التقاعس عن القيام بها يعرض صاحبه للمشاركة في جريمة الفصل العنصري التي لا تسقط بالتقادم.

وأخيرا يجب -في ظل سياسات الهيمنة التي تمارسها الحكومات الغربية وضعف الحكومات العربية وانقسامها- أن لا تمر الفرصة التي يوفرها تقرير الإسكوا لتحقيق ثلاثة أهداف: إعادة إحياء القرار الرابط بين الصهيونية والعنصرية، وتقوية الروابط بين المنظمات غير الحكومية العربية وبين شعوب الجنوب والشمال، وإطلاق حركة تضامن عالمية تمثل القضية الفلسطينية فيها القضية المركزية، ويتم في إطارها تفكيك الربط التعسفي بين ما يسمى "الحرب على الإرهاب" وبين حق وواجب مقاومة الاحتلال والفصل العنصري وتفكيك منظومة الأبارتايد الإسرائيلي، والضغط على المنظومة الدولية الداعمة لها والتي تقوم على الهيمنة والمعايير المزدوجة.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث