الجمعة، 2 شعبان 1438 - 28 نيسان / أبريل 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

قانون الإرهاب ومنطق الاستخفاف

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

3499


ستكون عواقب الاستخفاف بما يدور في مصر وخيمة على كل المصريين والعرب والمنطقة جميعا. فلا يمكن لقانون أن يحل مشكلة الإرهاب، ولا يمكن لنظام سياسي يمتلك قدرا ما من الرشاد أن يظن أن ما تمر به البلاد يمكن معالجته بالقبضة الأمنية وبمنظومة من التشريعات تنتهك الدستور الذي وضعه النظام ذاته، وتخالف الأعراف والمعايير التي تعارف عليها البشر في القرن العشرين. 

فيما يلي أبعاد أربعة لهذا الاستخفاف:

أمنيا: أولا، هناك استخفاف بمستوى العنف والدماء التي تسيل منذ أكثر من سنتين بمصر، وكأن دماء آلاف المصريين، من المعارضين ومن الجنود ومعاناة عشرات الآلاف من أسرهم وأهاليهم، لا ثمن لها.

شمال سيناء خارج سيطرة الحكومة تقريبا، وعمليات العنف التي تستهدف جنود الجيش تتصاعد في سيناء وغيرها. والسبب الأساسي هنا هو سياسة الدولة تجاه أهالي سيناء الذين صاروا يتهمون النظام بالقتل الممنهج والتهجير، وليس فقط التهميش كما كان سائدا منذ أربعين سنة.

هناك أولا استخفاف بمستوى العنف والدماء التي تسيل منذ أكثر من سنتين، وكأن دماء آلاف المصريين من المعارضين ومن الجنود ومعاناة عشرات الآلاف من أسرهم وأهاليهم؛ لا ثمن لها. وهناك استخفاف أيضا باعتقال المعارضين (40 ألفا)

والسبب الأساسي الثاني هو السياسة الرسمية الإقصائية التي تغلق كافة سبل العمل العام (السياسي والنقابي والطلابي والخيري) أمام الشعب بكافة فئاته، وتدفع الشباب إما للهجرة أو التطرف. 

ومن الخطأ أن يتعمد الإعلام والخطاب الرسمي إخفاء حقيقة أن حركات العنف في سيناء تعادي جماعة الإخوان وترى انشغالها بالديمقراطية مخالفة شرعية، ولهذا فتصاعد عمليات قمع الإخوان سيسهم في تزايد أعداد الشباب التي تنضم للحركات العنيفة بعد فقدان الأمل في أي مشاركة سياسية سلمية.

وهناك أيضا استخفاف شديد باعتقال المعارضين والذين وصل عددهم إلى أكثر من 40 ألفا، بجانب ترك الكثير منهم -خاصة المرضى وكبار السن- يموتون داخل المعتقلات وأماكن الاحتجاز، حتى وصل عدد القتلى داخل السجون إلى أكثر من 260 حالة. ناهيك عن عمليات القتل خارج القانون والتعذيب ومنع الأدوية والزيارات، وعن عشرات الآلاف من المطاردين في الداخل والخارج. 

هذه انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية حسب المنظمات الحقوقية، ولا تسقط بالتقادم، وهي تخلق الإرهاب ولا تعالجه. 

أما تبريرات النظام لهذه الانتهاكات فهي تبريرات واهية، فلا يمكن اتهام كل المخالفين في الرأي بتهمة الإرهاب أو التخابر. كما أن التوسع في تعريف الإرهاب أمر في غاية الخطورة. لقد تم بمقتضى ما يسمى قانون الإرهاب، تجريم الأعمال التحضيرية حتى لو لم يتم تنفيذ العمل المجرم، وهذه مخالفة صريحة للقانون ولأحكام المحكمة الدستورية العليا. 

كما منح القانون مأمور الضبط القضائي سلطة القبض والتفتيش والاحتجاز لأي مواطن بدون حالة تلبس وللاشتباه فقط، وجرّم نشر أخبار تخالف الروايات الرسمية للأحداث، وتوسع في العقوبات لتشمل النفي والمنع من التنقل وحظر العمل في أماكن معينة وغير ذلك.

فهل يوجد حالة واحدة تمت فيها محاربة الإرهاب بمثل هذا القانون وبمحاربة كل المخالفين في الرأي وحرمانهم من أبسط حقوقهم، حتى يمكن تصور أن هذه السياسات ستنجح؟

عسكريا: وهناك استخفاف بكل التقارير الغربية وغير الغربية التي تتحدث عن استبدال عقيدة الجيش وتوجيهها لمحاربة الإرهاب، وتغيير ما يتصل بهذا من نظم تدريب وتسليح.

إن الدولة الإسرائيلية، التي ظلت منذ إقامتها العدو الأساسي في الإستراتيجية العسكرية المصرية، صارت حليفا رئيسيا في الحرب على الإرهاب. يحدث هذا بينما تتعرض هذه الدولة لحملات مقاطعة اقتصادية وأكاديمية من شعوب الحكومات الغربية الداعمة لها، اعتراضا على الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان من قبل الحكومة الإسرائيلية ومن قبل المستوطنات.

ومن يتابع الداخل الإسرائيلي يدرك بسهولة كيف أن هذه الحملات الغربية لها تأثير قوي إلى الحد الذي دفع سياسيين إسرائيليين إلى القول إنهم لأول مرة يواجهون أزمة وجودية تهدد المجتمع والدولة، وإن هذا يتم في مفارقة، من وجهة نظرهم، إذ تعادي شعوب الغرب سياسات الاحتلال بينما تم إشغال الحكومات العربية في محاربة الإرهاب وفي مواجهة مطالب شعوبها من أجل الحريات والعدالة.

هناك استخفاف بمكانة مصر الدولية، فبخلاف ما تردده الدعاية الرسمية، تعود مصر تدريجيا لدور شرطي المرور بالمنطقة. ولو استمع الناس إلى ما يقوله الغربيون عن النظام الحالي لأدركوا أن مصر يراد لها أن تبقى تابعة ذليلة وشرطي مرور جديدا في المنطقة

هناك غموض في هذه المساحة، غموض في صفقات التسليح ونوع السلاح وحجم وأهداف المناورات المشتركة مع الأميركيين ومع الروس. وغموض حول حجم التعاون الأمني مع الصهاينة والمستوى الذي وصلته العلاقات المصرية الإسرائيلية، في ضوء حديث الكثير من الإسرائيليين والغربيين عن أن هذه العلاقات تجاوزت بكثير ما كانت عليه أيام مبارك الذي وصفه الإسرائيليون بأنه كنز إستراتيجي لهم. ومؤخرا وصف خبير أميركي في الشؤون العسكرية العلاقات المصرية الإسرائيلية بأنها صارت أقوى من علاقات مصر بالسودان

ألا يدفعنا هذا إلى التفكير جليا في التهديدات التي يواجهها أمننا القومي في ظل غياب الحريات وعدم وجود مؤسسات منتخبة وهيئات رقابة، وفي ظل السيطرة على الإعلام والاستمرار في تضليل الناس بعبارات واهية عن هيبة الدولة وغير ذلك؟ 

وهل تحتمل مصر والمنطقة حدوث تحولات كبرى في عقيدتها العسكرية في ظل هذه الأوضاع؟ ثم ألم تكن علاقة مبارك بالصهاينة سببا في تراكم الغضب ضده حتى وصل الأمر للثورة عليه؟

سياسيا: وبجانب ما سبق، يستمر الاستخفاف بسياسة إقصاء كل من لا يؤيد سياسات النظام وليس فقط يعترض عليها، وبغابة التشريعات التي صدرت منذ يوليو/تموز 2013 في غيبة مجلس النواب، والتي تستهدف قتل السياسة وزرع الخوف في كل مكان. 

وحسب جريدة الشروق المصرية في 4 أغسطس/آب الماضي، فقد صدر في عهد السيسي 196 قانونا بينها 106 قوانين تتمثل في ربط موازنات الأجهزة الإدارية للدولة، و90 قانونا ما بين تشريعات جديدة وتعديلات على تشريعات قائمة. 

وتقول الجريدة إنه تبين أن 15 قانونا غير منشورة بالجريدة الرسمية ولم يُعلن عن تفاصيلها، وبالتالي لم تدخل حيز النفاذ. وقد مست هذه القوانين موضوعات من الأهمية ألا تترك لفرد واحد أو جهة واحدة كتنظيم العمل السياسي، ونظم الترقية والمعاشات للضباط، والتسليح، والضرائب، والخدمة المدنية، والعقوبات، والشرطة، والأزهر، والجامعات، والاستثمار، وغير ذلك. 

وهناك استخفاف آخر بمكانة مصر الدولية، فبخلاف ما تردده الدعاية الرسمية، تعود مصر تدريجيا لدور شرطي المرور بالمنطقة. ولو استمع الناس إلى ما يقوله الغربيون عن النظام الحالي في الكثير من أحاديثهم الجانبية وفي بعض دراساتهم ومقالاتهم المنشورة، لأدركوا أن مصر يراد لها أن تبقى تابعة ذليلة وشرطي مرور جديدا في المنطقة، وتحارب بالوكالة عدو الغرب بالمنقطة. وهذا العدو بالمناسبة ليس فقط الإسلاميين وإنما كل من يطالب بحكومات وطنية منتخبة ومسؤولة ودولة قانون ومؤسسات وشفافية وعدالة. 

إن ثورات 2011 جاءت لمواجهة هذه الازدواجية الغربية المعهودة منذ عقود عبر تقوية الحكومات بالشعوب لمعالجة قضايا الشعوب العادلة، إلا أن خصوم الثورات يريدون حكومات تستقوي بالخارج ضد شعوبها وقضاياها العادلة. 

إن كل الحركات الوطنية (الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية) في مصر في السنوات الأخيرة كانت واعية تماما لهذا الأمر، فماذا حدث للنخب التي تدافع عن سياسات الإقصاء في الداخل وتغض الطرف عن علاقات النظام بالخارج؟

الهوية والعقلية الانهزامية: هناك مساحة أخرى من الاستخفاف تتصل بالهوية العربية والإسلامية لمصر وبسيادة عقلية انهزامية لدى النخب الحاكمة. 

فلقد أصبح الكثيرون يشعرون أن هوية البلاد العربية والإسلامية تتعرض لهجمات متصاعدة. صحيح أن استهداف أبجديات الهوية -ولا سيما اللغة العربية والإسلام- بدأ منذ عقود طويلة، لكن من الواضح أيضا أن محاربة التيار الإسلامي اتسعت لتشمل معادة كل ما له علاقة بالدين ذاته من قيم وتاريخ إسلامي وشخصيات تاريخية ومناهج تعليمية وأعمال خيرية ومن خطابة وصلاة بالمساجد وغير ذلك. 

بل ويتم الآن منع المحجبات من دخول بعض الأماكن. ويتم هذا كله بمبررات واهية عن محاربة التطرف والإرهاب.

صحيح أن استهداف أبجديات الهوية بدأ منذ عقود طويلة، لكن من الواضح أيضا أن محاربة التيار الإسلامي اتسعت لتشمل معادة كل ما له علاقة بالدين ذاته من قيم وتاريخ إسلامي وشخصيات تاريخية ومناهج تعليمية وأعمال خيرية، ومن خطابة وصلاة في المساجد وغير ذلك

والأخطر من هذا سيادة عقلية انهزامية لدى بعض النخب، ويحقق الإعلام للأسف نجاحات في زرعها في عقول الناس. هذه العقلية تحكمها قناعات ومغالطات زرعتها نظم الاستبداد والفساد منذ عقود طويلة، وتتمحور حول "هيبة الدولة" بالرغم من أنه ليس هناك دولة (بالمفهوم العلمي) في الأساس، وما قامت ثورة يناير إلا لبناء دولة حديثة. 

بجانب مغالطات أخرى مثل "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، "مصر حالة فريدة ولن تتغير أبدا"، "الشعب المصري غير قابل للديمقراطية"، "لا بديل عن حكم الفرد المستبد في مصر"، "لا يصلح مع المصريين إلا الكرباج"، وغير ذلك. 

هذه قناعات مدمرة، ويثبت تاريخ مصر الحديث أنها غير حقيقية. نعم مصر حكمها الكثير من المستبدين لكن تاريخها يشهد أيضا خلع الكثير من الولاة والثورات على المستبدين. كما أن العصر تغير وهناك أدوات للتواصل لم تكن موجودة، وإسقاط الطغاة وتطلع الشعوب إلى الحرية والعدل صار اتجاها عالميا. 

وهناك شعوب أخرى كانت أوضاعها أسوأ من أوضاعنا بكثير، وصارت اليوم حرة بعد عملية تحرر ممتدة زمنيا.

وإذا قرأ البعض ما كان يحدث أثناء الثورة الفرنسية أو تاريخ حركات التحرر بأميركا اللاتينية أو حروب العصور الوسطى الأوروبية، لأدرك أنه لا يوجد مستحيل في عالم السياسة وأن التخلف عن ركب الحضارة تصنعه إرادات النخب الضعيفة والعاجزة، أما الحرية فتصنعها الطلائع والقيادات الواعية والقادرة على قيادة الشعوب نحو الحرية وبناء المستقبل ومشاركة الشعوب الأخرى في معالجة تحديات العصر. 

ولأدرك أيضا أن البشرية وصلت بعد نضال طويل إلى طرق متحضرة لحكم الشعوب وإدارة المجتمعات، لا تقوم لا على القهر ولا القمع، وليس من بينها لا السرية ولا الفردية.

عبدالفتاح ماضي، قانون الإرهاب ومنطق الاستخفاف، الجزيرة.نت 27 أغسطس 2015.

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث