السبت، 27 جمادى أخر 1438 - 25 آذار / مارس 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

مصير النظام الإقليمي العربي

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

 aljazjuly15

يعيش العالم العربي مرحلة من أسوأ مراحله منذ الاستقلال، فالدولة الصهيونية صارت في أحسن أحوالها مع تصاعد الحروب الأهلية والصراعات الطائفية وانهيار الجيوش العربية أو تسييسها، وإيران بعد الاتفاق النووي مع الغرب في طريقها لأن تكون قوة إقليمية مطلقة اليدين، وتركيا أضحت منذ أكثر من عقد من الزمان قوة سياسية واقتصادية كبرى في العالم. 

فلماذا وصل العرب إلى ما وصلوا إليه من ضعف وتشرذم؟ وهل من خيارات أمامهم لإنقاذ أنفسهم؟ 

بدايات مختلة
يقوم النظام الإقليمي في أي منطقة على مجموعة من الدول تواجه خطرا أو تحديات مشتركة، وتجمعها هوية أو رؤية واحدة تنطلق منها هذه الدول في وضع إستراتيجيات وبرامج عمل تحقق بها مصالحها في مواجهة فاعلين آخرين من الأصدقاء والأعداء. وبهذا قامت أنظمة وتكتلات إقليمية في الغرب والشرق وفي كل قارات العالم ما عدا منطقتنا العربية. 

فمنذ الاستقلال أنشأت الحكومات العربية، بمساندة الدول الاستعمارية الكبرى -خاصة بريطانيا- نظاما عربيا مختلا، فالمنطقة التي تمتلك كل مقومات الوحدة من لغة ودين وتاريخ وثروات ومصالح مشتركة، وكانت لقرون عدة جزءا من إمبراطورية عربية إسلامية واحدة، انتهت على يد القوى الغربية الاستعمارية إلى دول متعددة، ومنظمة إقليمية ضعيفة سميت "جامعة الدول العربية"، بجانب زرع كيان صهيوني غريب بين مشرقها ومغربها.

مشكلة الحكومات العربية داخلية في الأساس، نعم كانت ولا تزال هناك مؤامرات خارجية، لكن المشكلة ليست في وجود المؤامرة في حد ذاته، فلا سياسة ولا علاقات دولية بلا مؤامرات، وإنما في كيفية مواجهة هذه المؤامرات 

واليوم يحصد العالم العربي نتاج ما زرعته الحكومات العربية طوال عقود ما بعد الاستقلال. ومشكلة هذه الحكومات داخلية في الأساس. نعم كانت ولا تزال هناك مؤامرات خارجية، لكن المشكلة ليست في وجود المؤامرة في حد ذاته، فلا سياسة ولا علاقات دولية بلا مؤامرات، وإنما في كيفية مواجهة هذه المؤامرات التي استهدفت المنطقة بمخططات التقسيم وتغذية الانقسامات وإشعال الصراعات الحدودية والعرقية والطائفية واستنزاف المنطقة وثرواتها وتبديد قوة شعوبها. 

اختلال النظام العربي
ولد النظام الإقليمي العربي مختلا من حيث أركانه الأربعة (الفاعلون أو الدول، والهوية، والعدو والتحديات المشتركة، وإستراتيجيات العمل)، ولن تقوم له قائمة إلا بمعالجة هذه الاختلالات. 

فالدول ذاتها ولدت مختلة، فعلى عكس الدول التي ظهرت في أوروبا نتيجة لتوحيد الشعوب على أسس عرقية ولغوية، ظهرت الدول العربية على أساس تفتيت الشعب الواحد بين دول متعددة ورسم حدود مصطنعة بينها. 

وزاد الطين بلة تحكم نخب سياسية إقصائية (عسكرية وقبلية ومدنية) في هذه الدول، وظهور نظم سياسية مختلة منذ البداية تقوم على قمع الحريات وإقصاء الشعب، وممارسة النخب الحاكمة كل أنواع الوصاية والإقصاء تجاهه وتجاه كل المخالفين في الرأي، بجانب احتكار هذه النخب الثروات، وترسيخ الفساد والإفساد، والسيطرة على العقول، وإنشاء نمط من الحكم صار يعرف في أدبيات السياسة "بدولة المخابرات"، وما ترتب على هذا من تبعية مهينة للخارج واختراق خارجي. 

وظلت النخب الحاكمة تسد كل أبواب التغيير السياسي السلمي بحجج واهية، فتارة يسود شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وتارة ثانية تعلو فكرة المؤامرات الخارجية، وتارة ثالثة يتم ترهيب الشعوب وحشرهم حشرا في معركة ضد الإرهاب، واليوم تدخل المنطقة صراعا طائفيا حادا لم تدخله أمة من الأمم إلا وانتهى بها المطاف إلى التدمير. 

وفي أعقاب دخول الشعوب في المعادلة السياسية عبر ثورات 2011، ظهر الوجه الأمني القبيح للنخب الحاكمة عندما تم إجهاض وقمع -أو احتواء- التحركات والثورات السلمية في محاولة لإحياء أنظمة حكم عفا عليها الزمان في أشد الدول فقرا وضعفا.

أما هوية النظام الإقليمي العربي، فقد أقامتها الحكومات على أساس فكرة القومية العربية شكلا، لكن في الواقع العملي ولدت هذه الفكرة ميتة، فقد ظلت شعارات فارغة من أي مضمون سوى دعم الأنظمة الحاكمة وتخدير الشعوب.

لن يذكر التاريخ لجامعة الدول العربية أي نجاحات كبرى، أما القضية المركزية للعرب فسيذكر التاريخ كيف أن الحكومات العربية بتخاذلها وبخلافاتها البينية أهدرت فرصة حقيقية للدفاع عنها وضاعفت من معاناة الشعب الفلسطيني

كما أن سياسات الحكومات أدت إلى محاربة مقومات هذه القومية، فقد حفرت الحكومات العربية منذ الاستقلال خندقا بين العروبة والإسلام، بل وراحت حكومات كثيرة تحارب الإسلام كمقوم للوحدة ومعين للقيم ومنطلق للحضارة، واعتمدت سياسة الإقصاء والملاحقة لكل من يستند إلى الإسلام في فهمه ومعالجته مشكلات العصر. 

كما حوربت اللغة العربية، وبقية مقومات هذه الهوية في المدارس والجامعات والإعلام وفي الخطاب الرسمي، حتى انتهى الأمر إلى ظهور دول ومدن وأحياء تكاد تفتقد أبجديات الهوية العربية الإسلامية بالكامل. 

أما الخطر المشترك أو التحديات المشتركة التي من المفترض أن توحد أطراف أي نظام إقليمي فقد كانت دوما منطلقا لمزيد من الانقسامات العربية. ولأن الحكومات لا تعكس مصالح الشعوب، فقد كان طبيعيا أن تهدر الحكومات العربية الكثير من الفرص للتضامن والاتحاد.

فبعد أن ظل الخطر الصهيوني هو العدو المشترك لعقدين من الزمان، أدت هزيمة 1967 إلى فتح الباب أمام استسلام العرب واعترافهم بالدولة الصهيونية، وما ترتب على هذا من تعميق الانقسام العربي والاختراق الصهيوني والتبعية للغرب. 

وأهدرت الحكومات العربية أيضا تحديات العولمة وهيمنة النظام الرأسمالي العالمي، ولم تستطع استخدام قدراتها الاقتصادية لبناء تكتل اقتصادي حقيقي كان بمقدوره وقف استنزاف الثروات العربية وبناء منافس اقتصادي عالمي.

كما أهدرت الحكومات العربية فرصة الثورات العربية التي مثلت طوق النجاة لحكومات المنطقة للاستقواء بشعوبها لمواجهة تحديات ومؤامرات الخارج.

لقد كان ممكنا أن تكون هذه الثورات طوق النجاة للحكومات ولو بشكل تدريجي. فكل المشكلات السياسية السابقة ليست قدرا مقدورا وليست عيبا في الجينات العربية كما يروج البعض، وإنما هي نتيجة منطقية لسياسات اختارتها النخب الحاكمة وهي بالتالي لا تعبر عن ثقافة عربية ولا تسأل عنها الشعوب. 

ولا شك أن اختيارات النخب أدت إلى إفساد طبقات مختلفة في كل قطاع وتفشى الجهل والأنانية، إلا أن علل الشعب هي نتيجة لمرض آخر وليست سببا له. 

ولقد عانت شعوب أخرى من ذات العلل إلا أنها استطاعت الخروج من مشكلاتها عندما ثارت الشعوب وتمسكت بحقوقها وعندما ظهرت نخب وطنية راحت تقرأ الواقع بشكل صحيح وتتعامل مع تحديات الداخل والخارج بحكمة وتترجم حقوق الشعب ومطالبه لإستراتيجيات وسياسات وبرامج عمل.

لا مستقبل للعرب دون تصالح حكوماتها مع الشعوب والاستقواء بهم عبر بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والتنمية، وتمهيد الأرض لتكتل عربي يقوم على المصالح المشتركة ويمهد الأرض لدولة عربية اتحادية

وقد كان من الطبيعي أن يترتب على كل أوجه الخلل السابقة فشل الحكومات العربية في أي عمل عربي مشترك. فبخلاف التنسيق الأمني القوي بينها للإبقاء على سياسات السيطرة على الشعوب وقمع المعارضين، فشل العرب في التعاون في المجالات الأخرى التجارية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. 

ولن يذكر التاريخ لجامعة الدول العربية أي نجاحات كبرى. أما القضية المركزية للعرب فسيذكر التاريخ كيف أن الحكومات العربية بتخاذلها وبخلافاتها البينية أهدرت فرصة حقيقية للدفاع عن قضية عادلة وضاعفت من معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. 

وعندما اكتشفت الحكومات العربية خطر انهيار الدول وظهور تنظيم الدولة لم تهتم هذه الحكومات بمعالجة أسباب هذه الأزمة التي تضرب بجذورها في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية الإقصائية لدول المنطقة وتخلف أنظمتها التعليمية والدينية، وتمحور تفكيرها حول إنشاء قوة عربية عسكرية مشتركة لمحاربة الإرهاب. 

وقد تم هذا كله -مرة أخرى- بتشجيع من دول كبرى دأبت على أن تحدد للمنطقة من هو العدو وكيف يمكن مواجهته. 

ما العمل؟ 
كان من الممكن نظريا أن يتطور النظام العربي المختل إلى نظام عربي حقيقي برؤية واضحة وإستراتيجية حقيقية لمواجهة التحديات، إذا أحسنت الحكومات قراءة الواقع واستقوت بشعوبها وامتلكت قرارها السياسي، لكن هذا لم يتم لسبب أساسي هو نوعية الأنظمة العربية التي قامت كما أشرنا على إقصاء الشعوب وقمع المخالفين في الرأي واحتكار السلطة والثروة، وتعميق خلافات عربية-عربية لا أساس لها وتغذيها دوائر خارجية.

ولهذا لن يستطع العرب القيام من سباتهم العميق إلا بمعالجة أوجه الخلل تلك، والتفكير بشكل إستراتيجي ولصالح كل الشعوب العربية معا.

فلا مستقبل للعرب دون تصالح حكوماتها مع الشعوب والاستقواء بهم عبر بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والتنمية، وتمهيد الأرض لتكتل عربي يقوم على المصالح المشتركة ويمهد الأرض لدولة عربية اتحادية.

ولا مستقبل للعرب إلا بإقامة قواعد إنتاجية حقيقية واستخدام كل الثروات العربية لصالح كل الطبقات في كل المجتمعات العربية، وذلك عبر برامج تنمية وعدالة اجتماعية يستفيد منها كل عربي من المحيط إلى الخليج.

لا مستقبل للعرب إلا بالتعامل مع الأتراك والإيرانيين كحلفاء وأصدقاء وليس كمنافسين أو أعداء، ولا شك عندي أنه بمجرد قيام حكومات عربية مسؤولة أمام شعوبها سيتم النظر إلى تركيا وإيران بالشكل الطبيعي
كما إنه لا مستقبل للعرب إلا بالتمسك بمقومات هويتهم الجامعة من لغة ودين وتاريخ وحضارة، بل واستخدام القوة الكامنة في كل هذه المقومات الناعمة لتقوية المجتمعات العربية ومؤسساتها وسياساتها. والإسلام واللغة العربية مقومان لا يمكن لعاقل تجاهلهما لنهضة هذه المنطقة ومد جسور التعاون مع بقية دول العالم الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء.

ولا مستقبل للعرب إلا بتحديد عدوهم الحقيقي الذي هو بلا شك الدولة الصهيونية وسياساتها العنصرية والتوسعية، وكذا كافة سياسات الهيمنة الرأسمالية العالمية. وسيجد العرب هنا حلفاء لهم في كل أنحاء العالم من المناهضين للعنصرية والهيمنة إن هم أحسنوا الدفاع عن قضاياهم العادلة.

أما تحدي الإرهاب فلا يمكن أن تقتصر معالجته على البعد الأمني فقط، فالإرهاب والاستبداد توأمان ويغذي كل منهما الآخر. ولهذا فصيانة الحريات وتمكين الشعوب وترسيخ دولة القانون ومحاربة الفساد هي أولى الخطوات لمحاربة الإرهاب ومعالجة جذوره، هذا بالطبع بجانب إصلاح التعليم وتجديد الفكر. 

كما لا مستقبل للعرب إلا بالتعامل مع الأتراك والإيرانيين كحلفاء وأصدقاء وليس كمنافسين أو أعداء. ولا شك عندي أنه بمجرد قيام حكومات عربية مسؤولة أمام شعوبها سيتم النظر إلى تركيا وإيران بالشكل الطبيعي، أي كجارتين شقيقتين وحليفتين طبيعيتين لأي تكتل عربي حقيقي.

إن أمام حكومات المنطقة تحديا وجوديا وليس أمامنا إلا أن نكتب ناصحين بامتلاك إرادة العمل وإصلاح الخلل عبر حكومات إنقاذ وطنية وبناء نظام إقليمي جديد يقيم اتحادا عربيا قويا. 

لن يكون هناك بديل لهذا الخيار إلا انتظار موجة جديدة من الثورات العربية والتي لا مفر أمامها إلا أن تأخذ شكل حركات تحرر وطني ضد الحكومات العاجزة في الداخل والتبعية والهيمنة من الخارج، ولن يكون أمام هذه الحركات إلا الهدم أملا في إفساح المجال لشعوب المنطقة وقواها الوطنية الحية لتولي موقع المسؤولية في يوم من الأيام.

المصدر: عبدالفتاح ماضي، مصير النظام الإقليمي العربي، الجزيرة.نت 26 يوليو 2015 

 

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث