الثلاثاء، 2 ذي القعدة 1438 - 25 تموز / يوليو 2017
فيسبوك تويتر يوتيوب لينكد ان Academia.edu Social Science Research Network

الإخوان والحراك السياسي في مصر

طباعة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

 

أعرف أنه من غير المنطقي أن نطالب الإخوان المسلمين بالتنازل عن برنامجهم السياسي، لكن من الواجب مطالبتهم بتعديل أولويات أجندتهم السياسية قليلا، ووضع هدف الانتقال إلى الديمقراطية على رأس تلك الأولويات، وتأجيل بقية الأهداف والتنافس الإيدولوجي مع الآخرين إلى ما بعد الانتقال. أي عليهم حسم موقفهم بشكل نهائي من الأولوية القصوى أو الهدف المشترك الذي تحتاجه مصر اليوم وترفعه الحركات الاحتجاجية والدكتور محمد البرادعي وآخرون، وهو التوافق على الحد الأدنى الديمقراطي.

من هنا أتصور أن أهم ما يواجهه الإخوان في اللحظة الراهنة هو الإجابة عن الأسئلة الأربعة التالية:

• هل تقوية مصر بنظام سياسي يقوم على حكم القانون والفصل بين السلطات والتداول على السلطة واستقلال القضاء هي الخطوة الأولى لتقوية مصر في الداخل؟

• هل تقوية مصر في الداخل تساعد على تقوية مصر في العالمين العربي والإسلامي؟

• هل تقوية مصر في الداخل والخارج تقوية للمشروع الإسلامي الذي يرفعه الإخوان؟

• ألا يفتح تحقيق هذه الأهداف الباب أمام حصول الحركة على الشرعية القانونية ويتيح لها فضاءً سياسيًا واسعًا لممارسة أنشطتها وتحقيق أهدافها؟

أتصور أن الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من أن تكون بنعم، وذلك بعيدًا عن كل الإشكاليات المتنازع عليها وكل الحسابات الأخرى، وكل أشكال القمع التي يواجهها الشرفاء في الحركة منذ عقود.

فالأولوية القصوى التي على الجماعة العمل على إنجازها هي المساهمة مع الآخرين في تشكيل معارضة مصرية ديمقراطية من كافة القوى والأحزاب ذات المصلحة الحقيقية في الديمقراطية من أجل إنجاز هدف الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي يوفر إطارًا سياسيًا صحيًا ومفتوحًا أمام كل القوى السياسية لترويج برامجها وتحقيق أهدافها.. وأي عمل سياسي لا يصب الآن في هذا الاتجاه يساعد على الإبقاء على الوضع الراهن ويؤخر سلوك مصر الطريق المؤدي إلى الخروج من النفق المظلم.

الديمقراطية قبل فكرة المراحل

"
يجب على الإخوان التخلي عن العقلية التي ترى أن الحركة منصورة بإرادة الله، لأنها تضم أفرادًا صالحين، وأن النصر آتٍ آتٍ ولا نحتاج إلى الآخرين, كما يجب تجاوز العقلية التي تتحدث فقط عن أهمية الشورى أو العدل نظريًا إلى العقلية التي تجتهد في تقديم حلول محددة
"

قد لا يكون من الخطأ تمسك الحركة بفكرة الإمام حسن البنا، رحمه الله، عن المراحل التي تبدأ من الفرد المسلم فالبيت المسلم فالمجتمع المسلم فالحكومة المسلمة، وتنتهي إلى دولة الخلافة وأستاذية العالم، والمجال لا يتسع لمناقشة هذه الفكرة الآن. إلا أن تمتع الحركة بقوة تنظيمية وقاعدة شعبية ومهارة تعبوية واحتوائها على كفاءات وطنية يفرض على قيادة الحركة أن تدفع بالحركة لكي تكون في طليعة القوى الوطنية المساهمة في بناء وطن حديث يتجاوز كل أوجه الفشل في الداخل والخارج، وذلك بالقراءة الصحيحة للواقع والاستجابة لمعطياته والتحلي بالموضوعية.

ولا يعني هذا التنازل عن الدين أو فصله عن الحياة أو تغيير الثوابت كما يتصور البعض، وإنما المقصود باختصار الحكمة في التعامل مع قضية التغيير المطروحة الآن باستغلال كل الفرص المتاحة للضغط من أجل التغيير والتحالف مع القوى الأخرى على قاعدة الحد الأدنى الديمقراطي لتحقيق الهدف المشترك.. فكل حالات التغيير الديمقراطي جاءت من خلال هذا النوع من التحالفات العريضة ومن استغلال الفرص.. ولنا في تجارب الآخرين عبرة من إسبانيا وبولندا وجنوب كوريا وجنوب أفريقيا إلى البرازيل ومنغوليا وجورجيا وغيرها..

والعبرة في العمل من أجل النهوض بالنتائج وليست بالنوايا فقط، وهنا يجب التخلي عن العقلية التي ترى أن الحركة منصورة بإرادة الله، لأنها تضم أفرادًا صالحين، وأن النصر آتٍ آتٍ ولا نحتاج إلى الآخرين.. كما يجب تجاوز العقلية التي تتحدث فقط عن أهمية الشورى أو العدل نظريًا أو غير ذلك إلى العقلية التي تجتهد في تقديم حلول محددة لما يعاني منه الناس في حياتهم اليومية وفي الآليات التي تضع الشورى والعدل موضع التطبيق الفعلي.. لا يجب تثقيف الناس بثقافة تواكلية تردد ديباجات كبرى دون عمل وتنتظر الفرج والنصر بلا جهد، وإنما يجب تثقيف الناس بفقه التغيير المرتبط بواقع المجتمع وسنن الكون.

القطرية والأممية
ولا أتصور أن حديث بعض الإخوان عن أن هدفهم أكبر من موضوع الإصلاح السياسي والديمقراطية داخل مصر وأنهم ماضون على هدي إمامهم الراحل نحو أستاذية العالم، لا أعتقد أن هذا الحديث يتعارض مع التوافق على الحد الأدنى الديمقراطي. ففضلا عن حرص الإخوان على خوض كل الانتخابات المحلية والبرلمانية والنقابية ونصرة ودعم قضايا عربية عادلة (وهذه أعمال سياسية)، هناك سنة التدرج.. والرسول -عليه الصلاة والسلام- في مواجهته لمشركي مكة أو ليهود المدينة الذين ناصبوه العداء لم يحدثهم بخطاب سياسي يتحدث عن فتح العراق وفارس والشام وإنما واجههم مباشرة بما يتلاءم مع الزمان والمكان.. ومن يريد أن يكون قدوة للعالم أجمع عليه ألا يتحدث عن هذا كثيرا، وإنما عليه العمل على تقوية نفسه في الداخل واستغلال كل عوامل القوة المتاحة.

"
أي برنامج للإصلاح في زماننا لا بد من أن يبدأ قـُطْريًا ولا ينتظر حتى يكون أمميًا كما يتصور البعض داخل الإخوان، فعالم اليوم له معادلة مختلفة تمامًا عما كان قائمًا في مطلع عصر الرسالة 
"

وأي برنامج للإصلاح في زماننا لا بد من أن يبدأ قـُطْريًا ولا ينتظر حتى يكون أمميًا كما يتصور البعض داخل الإخوان، فعالم اليوم له معادلة مختلفة تمامًا عما كان قائمًا في مطلع عصر الرسالة، حيث لا حدود إلا عند آخر نقطة تصل لها أقدام الجنود، وحيث لا حديث عن روابط الأمة أو اللغة أو الإطار الجغرافي في بناء الدول والإمبراطوريات.. كما أن الديمقراطيات المعاصرة هي التي تحقق الاندماجات الاقتصادية والاتحادات السياسية في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا.

الأمة الإسلامية التي قامت في السابق كان رابطها الأول والأساسي هو الدين.. أما معادلة العصر فمختلفة ويجب التعامل معها بحكمة لا محاولة تغييرها لتتواءم مع معادلات تاريخية قد لا تصلح لزماننا، مع الاحتفاظ بما نشاء من مقومات وعلى رأسها الدين الذي يجب -في اعتقادي- أن يقوم بدور محوري في الإصلاح والتغيير.

معادلة اليوم في بناء الحضارة تبدأ من بناء الداخل أي بناء المجتمع والدولة ثم تكتل الدول التي تشترك في الأطر الثقافية والحضارية، وللدول المركزية، كمصر، دور محوري هنا.. ومصادر القوة والنفوذ في زماننا هي في وضع دستور ديمقراطي محكم وتبني وتنفيذ أنظمة سياسية وإدارية وقانونية ورقابية وقضائية شفافة ومُحكمة، وفي وصول حكومة مسؤولة ومنتخبة من الشعب ومسؤولة أمامه، وفي الانفتاح على كل فئات المجتمع وعلى الخارج ببرامج تغيير وإصلاح تتلاءم مع الواقع ولا تتصادم معه.

ومن المقولات الخالدة للإمام البنا: "لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها، واستخدموها، وحوّلوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد".

دعم بيان التغيير للبرادعي
والحراك السياسي الأكثر تأثيرًا الآن هو وجود الدكتور البرادعي وطرحه برنامجًا للتغيير على أساس الحد الأدنى الديمقراطي.. ولهذا لا مفر من أن يدعم الإخوان بثقلهم الشعبي والتعبوي بيان التغيير ويشتركوا في كافة الفعاليات المطالبة بالديمقراطية.. يجب ألا يكون الهدف دفع البرادعي أو غيره لكي يدعم برنامج الإخوان ولا أن يتخلى الإخوان عن تصوراتهم لصالح برنامج البرادعي.. وإنما المطلوب من الإخوان (ومن غيرهم) هو تحرك سياسي واعٍ يضع الصالح المصري العام على رأس الأوليات ويعمل لتحقيق النتيجة النهائية من الحراك (أي الهدف المشترك) ويتجاوز -مرحليًا- المناداة ببرامج سياسية معنية..

"
يجب ألا تكتفي الجماعة بحشد جمهورها نصرةً لغزة أو العراق فقط، وإنما عليها قيادة احتجاجات الشارع على تزوير الانتخابات وتعذيب المواطنين واستمرار الطوارئ
"

ولا بد هنا من إدراك أن مصر تتغير، وأن النضال الإلكتروني للشباب انتقل من الساحات الافتراضية على الإنترنت إلى الشارع، فلأول مرة منذ عقود تمتلك جماعات احتجاجية شبابية (من خارج الإخوان) القدرة على تحريك الآلاف من المصريين في الشوارع احتجاجًا على مظالم فئوية ومناديةً بتعديل الدستور ووقف التزوير.. وهذه الجماعات تكتسب أنصارًا جددًا في الشارع كل يوم.. ومن هنا يجب ألا تكتفي الجماعة بحشد جمهورها نصرةً لغزة أو العراق فقط، وإنما عليها قيادة احتجاجات الشارع على تزوير الانتخابات وتعذيب المواطنين واستمرار الطوارئ..

مصر بحاجة إلى حركة إسلامية جديدة
تحتاج الجماعة -إن أرادت الانخراط في العمل السياسي بشكل صحيح وفعّال- إلى رؤية إستراتيجية جديدة: رؤية تعمل على مواءمة رؤى الجماعة وممارساتها مع الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، وليس محاولة تغيير تلك الأوضاع لتتناسب مع الجماعة، أو الانتظار حتى يفشل الآخرون وتؤول الأمور إلى الإخوان.

والتنظيمات -بجميع أشكالها- لا تقوم إلا لتحقيق أهداف وغايات محددة في ظل أطر محلية وإقليمية ودولية معينة، وبالتالي على القائمين عليها تقديم رؤى مختلفة متى تغيرت تلك الأطر.. والحكم على نجاح تنظيم ما لا يتم برصد قدرته على البقاء متماسكًا أو في التمسك بذات الوسائل منذ عقود، وإنما في قدرته على الوصول إلى أهدافه، أو جزء منها، بكل الوسائل الممكنة وفي التأقلم وفي تطوير الرؤى والإستراتيجيات متى استدعت الحاجة.

وفي الحالة المصرية، لا شك في أن الأطر تغيرت، وبالتالي لا بد من أن تظهر رؤى جديدة بأهداف وغايات ووسائل جديدة.. ولا بد لنا من أخذ العبرة والعظة من تطور تنظيمات أخرى حققت الكثير لمجتمعاتها مثل حزب المؤتمر الهندي، وحركة أمنو الماليزية، وحزب المؤتمر في جنوب أفريقيا، والحزبين الاشتراكي والشيوعي في إسبانيا، هذا ناهيك عن تطور الحركة الإسلامية في تركيا.

وفي مصر لا تنقصنا النظريات ولا الأفكار كما يظن البعض، وإنما مشكلتنا في الحركة، كما قال المستشار الجليل طارق البشري من قبل.. فقد قدم عدد من المفكرين والخبراء أفكارًا ومقاربات ونظريات جديدة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تفوق في اعتقادي ما قدمه مفكرو التيار الإسلامي المعاصر في تركيا، وتكفي لوضع إستراتيجية جديدة لتجربة سياسية جديدة للحركة في مصر..

كما لا يعاني الإخوان من نقص الكوادر السياسية المنفتحة، فقد أنتجت على مدى عقود الكثير من العقول والممارسين، وهؤلاء يمكن الاستفادة منهم في العمل العام الحقيقي إذا وُفّقت قيادة الجماعة في وضع رؤية سياسية واقعية تحسم موقفها لصالح بناء نظام ديمقراطي حقيقي، ولصالح العمل جنبًا إلى جنب مع بقية القوى الوطنية في التصدي للاحتياجات اليومية للمصريين وفي المناداة بالديمقراطية.

مصر بحاجة إلى حركة سياسية إسلامية جديدة أرى أن جماعة الإخوان وكوادرها قادرة على تشكيلها إن أرادت.. حركة تبني تجربةً سياسيةً جديدةً لا تتجاوز القيم والمبادئ العليا للإسلام ولا الإنجازات التي حققتها البشرية في شؤون الحكم والإدارة والرقابة والشفافية..

"
مصر بحاجة إلى حركة سياسية إسلامية جديدة، أرى أن جماعة الإخوان وكوادرها قادرة على تشكيلها إن أرادت.. حركة تتجاوز الفهم الضيق للسياسة على أنها مجرد الحديث عن مآثر الأولين إلى ممارسة السياسة بشكل محترف 
"

حركة تمتلك خطابًا سياسيًا تجميعيًا يعمل كمظلة وطنية واسعة لكل القوى المصرية الوطنية، ولا يعيد إنتاج الخطابات الإقصائية أو الاستعلائية.

حركة تتجاوز الفهم الضيق للسياسة على أنها مجرد الحديث عن مآثر الأولين وعظمة الشورى وانتظار التمكين، إلى ممارسة السياسة بشكل محترف بسننها الكونية المعروفة، وبمضامينها الإيجابية التي جاءت في الإسلام والتي تتجاوز ما هو قائم في الغرب.

حركة تهتم بكل الهموم والإشكاليات التي تهم المواطن وتضيف أبعادًا إنسانية وأخلاقية واجتماعية لكل برامج الإصلاح المطلوبة.

ولو اقترنت قدرات الكفاءات الإخوانية ومهاراتهم برؤية إستراتيجية فعّالة لقياداتهم لأمكن الخروج من أزمة الحكم في مصر. والله أعلم.

الإخوان والحراك السياسي في مصر، الجزيرة 14 يوليو 2010

أضف تعليقاً


كود امني
تحديث