للتفكير النقدي مكان محوري في إنتاج المعرفة
وتراكمها وفي تقدم المجتمعات ونهضتها وهو
من أبجديات التعليم الفعال والبحث العلمي الرصين. ولهذا يجب على الدارس أن يستخدم أسلوب التفكير
أو التحليل النقدي في قراءة المادة العلمية وتحليل الأحداث.
فعن طريق التحليل النقدي يتم
تنقيح الآراء والاستنتاجات ومراجعتها وتجنب الجمود وتكرار الأخطاء
والشائعات والتعميمات الخاطئة، وتحقيق التواصل والتراكم المعرفي
والتجديد ومواكبة الواقع.
إن العقل النقدي يبحث عن الحقيقة حتى لو كانت ضد
التصورات الشائعة، ويستند أولا إلى وعي وإدراك الدارس بوجود افتراضات
مختلفة في شأن الواقع المدروس أو إجابات مختلفة للأسئلة المطروحة،
وثانيا معرفة ودراسة هذه الافتراضات والإجابات، وثالثا تقويم دقة تلك
الافتراضات أو الإجابات بنظرة نقدية بنّاءة.
ومن هنا فالطالب أو الباحث – بهذه النظرة النقدية
البناءة – يحدد المشكلات بدقة، ويوضح الأدلة والبراهين ويحلل
الافتراضات قبل أن يصل إلى استنتاجات وخلاصات محددة. كما أنه يفحص جيدا
الجدليات والنظريات السببية والأدلة والتعميمات، ويكون منفتحًا على كل
وجهات النظر الجدلية ومستعدًا لفحصها بما فيها وجهة نظره وحججه
الشخصية. وهنا يجب تجنب المبالغة والتعميم والتركيز على سبب أو بعد
واحد والقفز إلى النتائج أو افتراض وجود مشكلة لا وجود لها أو الربط
بين أمرين لا رابط بينهما.
أي أن الباحث الناقد لا يبحث عن المعلومات بلا
تمييز ليرصدها جنبا إلى جنب، وإنما يمتلك القدرة على التمييز بين
المعلومات وعلى تصنيفها ثم يمتلك القدرة على طرح أسئلة – ليس فقط عن
المعلومات التي وصل إليها - وإنما عن صحة البراهين والأدلة والافتراضات
التي استخدمت لانتاج هذه المعلومات.*
ومن المتصور هنا أن يطرح الباحث الكثير من الأسئلة
عند ممارسته للنقد واطلاعه على انتاج الآخرين، منها:
ما المسألة الأساسية المعنى بها الكاتب؟ هل هي
افتراض أم سؤال بحثي أم تعريف أم شيء آخر؟ ما الأدلة أو البراهين التي
استخدمها الكاتب لدعم افترضاته أو للإجابة عن سؤاله البحثي؟ وما
المعلومات التي جمعها في هذا الشأن؟ هي هي معلومات كمية أم كيفية أم
خليط منهما؟ وهل هي متنوعة وذات صلة بالموضوع؟ وما المنهج المتبع في
جمعها؟ وفي حالة المعلومات الكيفية، ما الإطار الذي تم جمع المادة فيه؟
هل ميز الكاتب بين الحقائق وبين الآراء الشخصية؟ وهل حدد الكاتب منطقه
النقدي ومنهجه في إستخلاص النتائج، أهي باستقراء واقع معين وجمع بيانات
وأدلة وبراهين حتى يمكن الوصول إلى نتيجة مؤكدة عن حدث ما أم
بالاستدلال والاستنتاج المينبة على استنتاج خلاصات من مسلمات أو
تعميمات ثبت صحتها من قبل؟ وهل وقع الكاتب في أخطاء منطقية ولماذا؟ وهل
ثمة أمور لم يجب عليها الكاتب؟ وما خلاصة الكاتب حول العلاقة بين
الفروض والأدلة أو في شأن سؤال البحث؟ وهل تؤيد الخلاصة السؤال
المطروح؟ وهل تم دعمها بالأدلة والبراهين أم لا؟
ويمكن أن يتضمن التحليل التقدي أجزاءً
خمسة أساسية، هي:
1.
مقدمة من فقرة واحدة تحتوي على موضوع
النص الخاضع للنقد وهدفه وعبارة مقتضبة عن نتائجه وسطر واحد أو سطرين
يلخص تقويم الناقد للنص.
2.
ملخص قصير للنص الخاضع للنقد.
3.
نقد الباحث للنص على النحو السابق
عرضه.
4.
خاتمة يُعيد الناقد فيها كتابة رأيه
باختصار.
5.
المراجع.
التمييز بين
"المعتقدات" و"الحقائق" و"الآراء" و"الأدلة والبراهين"
المعتقدات (beliefs): هي القناعات المبنية على الإيمان
الشخصي والقيم والأخلاقيات والخبرات الثقافية وليس على الحقائق والأدلة
والبراهين، وهي لا يمكن دحضها أو إخضاعها للجدل.
الحقائق (facts): هي المعلومات التي تم التدقيق من
صحتها وإثبات صحتها بالأدلة والبراهين.
الآراء (opinion): هي الأحكام المبنية على الحقائق،
وهي قابلة للتحقيق والنقاش، وغالبا ما تستخدم الجداليات المدعمة
بالبراهين والأدلة لدعم الآراء. والرأي تعبير عن وجهة نظر شخصية،
وبالتالي فهو منحاز لطرف أو تفسير معين، لكن هذا الانحياز معروف ومعترف
به بشكل علني.
أما الأدلة والبراهين (evidence): هي معلومات أو معطيات رقمية أو
كيفية صحيحة وذات صلة مباشرة بالمسألة الجدلية التي يراد دعمها بأدلة
وبراهين. وقد تكون هذه المعلومات حقائق أو آراء الخبراء أو أمثلة أو
احصائيات أو ما شابه.
الآراء المتحيزة (prejudices)
-
هي الآراء التي تشكلت استنادا إلى براهين لم يتم تمحيصها جيدا أو أدلة
غير كافية.
-
وهي في معظم الحالات تعميمات مخلة تعكس أفق صاحبها الضيق.
-
وهي تقدم لتفضيل وجهة نظر محددة أو دعم طرف معين في خلاف ما
-
وهي بالطبع قابلة للاختبار والدحض عن طريق الحقائق والبراهين.
الحياد (neutrality): أي سرد الحقائق. وفي تقرير الأخبار
قد تكون هناك اعتبارات وضغوط تجارية وعملية تحول دون سرد كل الحقائق.
كما أنه من الناحية النظرية قد لا يكون ممكنا سرد كل الحقائق. فلابد من
اختيار الحقائق ذات الصلة بالموضوع، كما يجب ربط هذه الحقائق عند سرد
الموضوع.
الموضوعية (objectivity): تقتضي الاحتكام إلى قيمة الأخبار
ذاتها، فيجب على الصحفيين النظر في مدى تأثير الخبر وأهميته.
أما التوازن (balance): فيقتضي على عكس الموضوعية إجراء
تغطية متساوية لأطراف حدث معين، بغض النظر عن مدى تأثيركل طرف وأهميته.
وهناك مدرستان في هذا المقام، الأولى تركز على
الموضوعية كما في أمريكا وألمانيا، أما الثانية فتُعلي من شأن التوازن
كما في بريطانيا. وفي الواقع العملي يقوم الصحفيون بشكل روتيني بحل هذا
التناقض في كتاباتهم...
أنواع التحيز:**
هناك أربعة أنواع للتحيز وذلك استنادًا إلى
معيارين أساسيين: أولهما معيار ما إذا كان التحيز واضحًا أم خفيًا،
وثانيهما يتصل بتوفر – أو عدم توفر - نية التحيز. وهنا يمكن تصور
الأنواع الأربعة التالية:
1.
تحيز معلن بوضوح ومقصود (partisan
bias): كأن تعلن جريدة
ما تأييدها المعلن لطرف محدد في نزاع أو انتخابات أو خلاف.
2.
تحيز غير معلن بوضوح لكنه مقصود
(propaganda bias):
أي تحيز لم يعلن عنه بشكل صريح لكن هناك قصد حقيقي لتأييد حزب معين أو
سياسة محددة أو وجهة نظر ما. وهنا يصاغ الخبر علة نحو يدفع القراء إلى
التعميم..
3.
تحيز غير مقصود (unwitting
bias): ويتم هذا عن طريق
حجم الأهمية التي تعطي لقضية ما، أو ما إذا درجت القضية في الأساس في
الصحيفة، ومكان الخبر وحجمه..
4.
تحيز ايديولوجي (ideological bias): وهو تحيز خفي وغير مقصود، ولا يمكن
اكتشافه إلا من خلال قراءة متعمقة للخبر للكشف عن الافتراضات والأحكام
القيمية المستترة.