الصفحة الرئيسية - Home

 

أوباما والحاجة إلى ميثاق ديمقراطي عربي-أمريكي

د. عبدالفتاح ماضي

التجديد العربي: 29 مايو 2009

أعتقد أن أوباما يحاول جاهدًا إعادة بناء علاقات بلاده مع مصر والدول العربية على أسس جديدة تتخطى الكثير من السلبيات التي تراكمت عبر عقود من الدعم الأمريكي المطلق لأنظمة حكم بعيدة كل البعد عن الديمقراطية ولقوات الإحتلال الإسرائيلي.

إعادة البناء تقتضي دومًا الإعتراف بفشل سياسات الماضي وعدم العودة لها. ولتحقيق هذا سأقوم اليوم بتذكير الطرفين الأمريكي والعربي بأمرين أعتقد أنهما جوهريان عند التفكير في إعادة بناء علاقاتهما:

الأمر الأول: حسم الولايات المتحدة علاقتها مع أوربا الشرقية ومع جيرانها في أمريكا اللاتينية في شأن الديمقراطية.

ففي دول شرق أوروبا ساعدت أمريكا القوى الديمقراطية هناك في إطار مواجهتها للشيوعية. فاتفاقيات هلسنكي، الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا عام 1975، شكلت أرضيةً مشتركةً استندت إليها قوي الإصلاح والمعارضة في إضعاف شرعية أنظمة الحزب الواحد وتمهيد الطريق أمام انتهاء الحرب الباردة وبدء التحول الديمقراطي الحقيقي..

جاء في إعلان هلسنكي عشرة تعهدات متبادلة تحتاج دولنا العربية إلى معظمها في علاقاتها بأمريكا، وهي المساواة في التمتع بالسيادة، الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، عدم انتهاك حدود الدول، وحدة أقاليم الدول، التسوية السلمية للمنازعات، عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، احترام حقوق الإنسان، حق الشعوب في تقرير مصيرها، التعاون بين الدول، والتقيد بالتزامات القانون الدولي. وبالطبع في منطقتنا تعني هذه الأمور، من بين ما تعني، التوقف عن دعم إسرائيل والإعلان عن دعم حل شامل وعادل لإنهاء الطابع العنصري والتوسعي لها..

أما في أمريكا اللاتينية، ففي الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبينما كانت أمريكا تتلقى هجمات ذلك اليوم كان وزير خارجيتها كولن باول يوقع في بيرو مع مسئولين من دول أمريكا اللاتينية الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية "العقد الديمقراطي الأمريكي"، وهو الميثاق الذي دشن مرحلة جديدة في علاقات واشنطن بجيرانها في الجنوب، إذ تخلت واشنطن عن سياسة التدخل وفرض الهيمنة وألزمت نفسها بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري واحترام مبدأ السيادة ومباديء القانون الدولي..

وبموجب هذا الميثاق، صارت الديمقراطية، في عبارات قاطعة، حقاً من حقوق شعوب المنطقة، وأمراً أساسياً للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لشعوب المنطقة، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان. والتزمت أمريكا وحكومات دول المنظمة بتعزيز الديمقراطية والدفاع عنها. هذا بجانب تأكيد الميثاق علي تجريم كل أنواع التمييز، وعلي حقوق العمال، وتقوية منظمات المجتمع المدني ونشر ثقافة الديمقراطية..

بالطبع تحتاج الدول العربية إلي ميثاق ديمقراطي عربي ـ أمريكي، فسياسة تحقيق المصالح الأمريكية عن طريق دعم حكومات غير ديمقراطية لن تضمن للأبد تلك المصالح. وعلي الإدارة الأمريكية إعادة النظر في علاقتها بقوي المعارضة السياسية، بما في ذلك القوي الإسلامية، في الدول المحورية وعلي رأسها مصر. وهذا ينقلنا إلى الأمر الثاني.

الأمر الثاني: حسم القوى السياسية الوطنية – الحاكمة والمعارضة - أمرها لصالح الديمقراطية في الداخل.

وهنا على النخب الحاكمة إدراك أن دوام الحال من المحال، وأن لكل أنظمة الحكم المطلق نهاية وإن طال الزمان، أو قويت يد الترهيب والترغيب.. أتمنى أن تحذو هذه النخب حذو الملك خوان كارلوس في إسبانيا بدلاً من فرديناند ماركوس في الفلبين، ويتتبعوا خطى العسكريين الإصلاحيين أنصار الحكم المدني الديمقراطي في أمريكا اللاتينية ومانديلا وديكليرك في جنوب أفريقيا بدلاً من السير في الطريق الذي اختاره عيدي أمين وتشاوشيسكو وموبوتو سيسسيكو..

أما النخب السياسية المعارضة فعليها تعلم دروس الانتقال السياسي جيداً، فلا انتقال دون الاتفاق حقاً على الديمقراطية والتكتل من أجل إنجازها. إن الضغط على النخب الحاكمة من أجل التغيير الحقيقي أو دفع أمريكا إلى تغيير مواقفها غير ممكن إلا إذا ظهرت قوى سياسية حقيقية تؤمن بقواعد اللعبة الديمقراطية داخلها وفيما بينها، وتتكتل من أجل توسيع قاعدة المؤمنين بالديمقراطية، ومن ثم تضغط من أجل إنجاز الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية..

وتحرك حركة الأخوان المسلمين، على وجه الخصوص، في هذا الاتجاه أمر في غاية الأهمية. فلابد من حسم موقفها تجاه الأسس الجوهرية للديمقراطية كنظام للحكم وكمنهاج سياسي للتداول على المناصب السياسية ولإدارة الصراعات السياسية بطرق سلمية. وأعني هنا حسم موقفها تجاه العمل السياسي الحزبي وفصله عن الدعوي، وتجاه سلطة الشعب في سن القوانين، والتداول على السلطة، واحترام التعددية السياسية، واحترام مبدأ المواطنة مع عدم التمييز ضد المرأة أو الأقليات الدينية أو المذهبية..

وهنا أعتقد أن ما توصل له مؤسسو حزب الوسطتحت التأسيس في مصر هو الصيغة التي تحتاجها مصر والتيار الإسلامي بشكل عام اليوم.. فلا تمييز على أساس الدين أو النوع، والمبادئ العليا للإسلام كمرجعية عليا وكسقف أعلى لايجب أن يتجاوزها المشرعون، تمامًا كما أن المشرعين في الولايات المتحدة لايمكن لهم تجاوز الأسس العليا لليبرالية.. والتأكيد على الإسلام كإطار حضاري للمسلمين وغير المسلمين أمر يسهم بلا شك في تحقيق الرابط الوطني المنشود بين عناصر الأمة.. وهناك حاجة دائمة للتأكيد، بشكل حاسم ونهائي، على الحقوق الثقافية والدينية للأقليات..

ومن ناحية أخرى تقتضي أبجديات السياسة المعاصرة وضعف السياسات الخارجية للحكومات العربية القائمة أن تركز البرامج السياسية للقوى السياسية الإسلامية والليبرالية والقومية واليسارية على حد سواء على التحديات الداخلية لدولها.. فالربط بين قضية الإصلاح الداخلي والقضايا العادلة للشعوب المضطهدة في المنطقة أمر يعقد الكثير من الأمور في الداخل والخا رج على حد سواء.. لابد أن يكون لهذه القضايا منابرها وبرامجها السياسية الخاصة بها.. وقد سبق أن كتبت أن قيام حكومات ديمقراطية حقيقية في الدول العربية كفيل بالتعامل مع تلك القضايا الخارجية بشكل أفضل بكثير من الحكومات القائمة..

واستنادًا إلى ما سبق، أدعو مصر والولايات المتحدة إلى الدعوة إلى قمة عربية-أمريكية تضع ميثاقًا ديمقراطيًا عربيًا أمريكيًا يأخذ في الحسبان ما يلي:

(1) احترام رغبة الشعوب العربية في اختيار الديمقراطية كنظام حكم بلا تدخل أو ضغط خارجي، وبلا اقصاء لأي فريق سياسي إسلامي أو قومي أو يساري مادام أعلن احترامه للأسس الجوهرية المتعارف عليها للديمقراطية،

(2) احترام رغبة شعوب المنطقة في أن تكون مبادئ الإسلام المرجعية العليا لذلك النظام الديمقراطي، مع التأكيد على مكونات الثقافة العربية الجامعة للشعوب العربية على اختلاف أديانها ومذاهبها وثقافافتها الفرعية، وبما تحتويه من قيم إسلامية ومسيحية، ومن تنوع ثقافي كردي وأمازيغي وأفريقي وغيره، أو من تنوع مذهبي سني أو شيعي،

(3) احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والدفاع عن قضايا حقوق الإنسان بلا تمييز، والكف عن دعم أنظمة تنتهك الديمقراطية وحقوق الإنسان،

(4) الإعلان عن كف الولايات المتحدة عن دعم إسرائيل مادام استمر جيشها في انتهاك أبجديات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة واستمرت مؤسساتها في ممارسة التمييز على أساس ديني،

(5) احترام حق الشعب العربي الفلسطيني داخل أراضي 48 وأراضي 67 في تقرير مصيره والحياة بلا تمييز على أساس الدين أو العرق،

(6) إجراء عملية مصالحة عراقية-عراقية برعاية الدول العربية والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وانهاء الاحتلال الأمريكي للعراق بعد إحلال قوات أممية لحفظ الأمن ومراقبة عملية المصالحة.

 

 

 

 

 

 

 

 
 

Copyright 2007-2009 © Abdel-Fattah Mady. All rights reserved

Emails: ammady@gmail.com       -              abdelfattah.mady@gmail.com