الصفحة الرئيسية - Home

 

الهُوِية والنهضة

د. عبدالفتاح ماضي

صحيفة البديل، القاهرة:   13 يونيو 2008

من المعروف أنّ قوة الدول المعاصرة لاتتوقف فقط على العوامل المادية، وإنما تعتمد أيضًا على الكثير من العوامل غير المادية، والتي تُسمى عادةً العوامل الاجتماعية. فهناك دول قوية ومؤثرة، غير أنها تفتقد الكثير من عوامل القوة المادية. أمّا الدول التي تَوَفَرَت لها العوامل المادية والاجتماعية فكانت دول كبرى (مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والإتحاد السوفيتي..) أو هي قوى عظمى الآن (الولايات المتحدة) أو مرشحة لأن تكون قوى كبرى أو عظمى (الصين، الهند، الإتحاد الأوروبي، البرازيل..). ومن العوامل الاجتماعية الإرادة السياسية ونوعية القيادة والمهارات الدبلوماسية وتماسك المجتمع الداخلي وتمسك المواطنين بهُويتهم الجامعة.

في عالمنا العربي هناك الكثير من عوامل القوة المادية (الثروات الطبيعية والبشرية) التي تكفي ليحتل مكانةً غير تلك الذي يحتلها الآن في الساحة الدولية وذلك بشرط توفر العوامل الاجتماعية. وأقف اليوم عند عامل واحد من هذه العوامل الذي اعتبر أن غيابه يؤثر بالسلب على كافة العوامل المادية والاجتماعية الأخرى، وهو عامل الْهُوِيَّة. فتمسك الدولة، بمواطنيها ومؤسساتها، بالمقومات المختلفة للهُوية الجامعة له وظائف عدة تصب كلها في الصالح العام للمواطنين ولصالح مستقبل العالم العربي، لعل أبرزها ما يلي:

أولاً: الهُوية الجامعة لا تعني القضاء على الاختلافات اللغوية والعرقية والمذهبية، بل على العكس فهي تساعد في التعامل مع التنوع السكاني وتحويله إلى عامل تنوع وقوة. فالوطنية التي هي مقوم رئيس من مقومات الهُوية، لا تعني القضاء على التنوع القبلي والعرقي والمذهبي؛ لأن التنوع جزءُ من الواقع المعاش للمجتمعات والدول. والوطنية هي الانتماء للوطن، أي انتماء كل الأفراد، على اختلاف روابطهم القبلية والعرقية والمذهبية واللغوية، إلى المصالح العليا للوطن وأمنه وبقائه وازدهار كل سكانه، وهي تعني التنافس، ليس لتحقيق مصالح فئوية ضيقة، وإنّما من أجل الصالح العام دونما تمييز. والوطنية، بهذا المعنى، تقف أمام محاولات تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات عرقية أو مذهبية أو قبلية..

ثانياً: يرتبط بما سبق أن الْهُوِيَّةُ الجامعة هي الأساس الثقافي واللبنة الأولى لوحدة الكيان السياسي لكل قطر عربي وللأمة العربية ككل، وبدونها لا يمكن تصور وجود مصالح سياسية مشتركة تجمع الشعوب التي قسّمها المستعمر وزرع حدوداً مصطنعة بينها. لقد كان من الضروري وجود هُوية قومية جامعة تجمع الألمان والإيطاليين حتى يمكنهم بعد ذلك من الإتحاد بعد أن فرقتهم السياسة إلى دويلات وإمارات عدة. كما أن غياب الهُوية الجامعة يعمل في غير صالح حركات الإصلاح والديمقراطية، فعدم وضوح مقومات الهُوية لدى الكثير من فئات المجتمع أدى، مع عوامل أخرى، إلى ما صار يُعرف بالانقسام العلماني الإسلامي، وإلى تمسك أقطار عربية بهُويات وطنية ضيقة على حساب الهُوية العربية الجامعة.

ثالثاً: الْهُوِيَّةُ هي الساتر الأساسي أمام الغزو الثقافي. فالعروبة– كمقوم من مقومات الهُوية- هي، بمقوميْها اللغة العربية والثقافة العربية، الْهُوِيَّةُ الثقافية الجامعة لكل العرب، وليست مواقف وممارسات سياسية معينة تُنسب إلى فئةٍ من الناس دون غيرهم. وهي الإطارُ الثقافيُّ والاجتماعيُّ اللازم لحماية الوحدة الوطنية لكل بلدٍ عربيٍ وصَدْ الانقسامات التي قد تُفرز اضطرابات وحروباً أهليةً، كما أنّها السياجُ الحامي للبلدان العربية أمام طغيان النزعات المادية ومحاولات فرضْ ثقافة معينة على كل أمم الأرض وشعوبها، والقضاء على مبدأ النسبية الثقافية وتعايش الثقافات المختلفة.

رابعاً: الْهُوِيَّةُ العربية هُويةٌ مُبدعةٌ وغير عنصرية. فالإسلام، وهو مقوم آخر من مقومات هُويتنا العربية، هو- كإطار حضاري وليس كدين– الوعاء الذي أَخَرَجَ الوطنية والعروبة من محاور القبيلة واللون والعرق والمكانة الاجتماعية إلى رحاب الانتماء الثقافي والحضاري الواحد الذي أرسى دعائمه عرب الجزيرة العربية المسلمون، ثم ساهم فيه مسلمون غير عرب من الفرس والأكراد والأتراك والبربر، ومسيحيون ويهود عرب وغير عرب. وهذا الانتماء العربي الإسلامي هو الذي شيّد حضارةً زاهرةً، امتدت من الصين إلى الأندلس، قدّمت للبشرية نماذج ساطعة من التعايش بين شعوب تميزت بتنوع عنصرها البشري، وتعدد لغاتها ولهجاتها، واختلاف ثقافاتها وتقاليدها، فضلاً عن الكثير من المنجزات العلمية والفكرية والأدبية. هذا الإسلام لا يمكن تجاوزه في بناء الهُوية وفي عمليات النهضة. وهذا ما فهمه مهاتير محمد عندما أكد أنه يجب على المسلمين التمسك بالإسلام والنهوض من خلاله، أي التمسك بالأهداف العامة للإسلام، وليس بنموذج محدد؛ لأنه لا يوجد نموذج أو تفسير واحد للإسلام صالح للتطبيق في كل زمان ومكان. والتمسك بالإسلام يعني، عنده، السعي لتحقيق أهدافه عن طريق آليات لا تتعارض معه. وتشمل هذه الآليات الاستفادة من تكنولوجيا الغرب وقيم العمل والانجاز من شعوب الشرق.

  إنّ دعْم المقومات الرئيسة للْهُوِيَّة الجامعة من المستلزمات الضرورية لتجاوز المصالح القطرية الضيقة والانقسامات والصراعات المذهبية والعرقية والثقافية، ولظهور نسق قيمي حضاري قادر على الوقوف أمام محاولات الغزو الثقافي وسياسات الهيمنة الثقافية والمعايير المزدوجة التي تمارسها الولايات المتحدة. كما أنه يساعد على تعزيز عمليات التنمية بكافة أوْجهها السياسية والاجتماعية والبشرية والاقتصادية. فالنهضة لا تأتى بالتقليد والتغريب بل بوضع الاستراتيجيات والأهداف استناداً إلى إطار ثقافي مناسب مستمد من هُوية المجتمع الجامعة ومن تراثه وواقعه الحضاري. في كتابه "نقد السياسة" يقول المفكر العربي برهان غليون أنه لايبقى للأمم التي تفتقر إلى التراث القوي إلا التسليم بالأمر الواقع بل اعتبار كل ما يقدمه هذا الواقع مكسبًا مَهْما كان ضئيلاً والتكيف معه كما يتكيف الإنسان مع الكارثة الطبيعية.

------------

 

 

 

 

 

 

 
 

Copyright 2007-2009 © Abdel-Fattah Mady. All rights reserved

Emails: ammady@gmail.com       -              abdelfattah.mady@gmail.com