الصفحة الرئيسية - Home

 

الديمقراطية الآن والتنافس لاحقًا

د. عبدالفتاح ماضي 

صحيفة البديل، القاهرة: 18 أبريل 2008

Your browser may not support display of this image.  من المخجل والمحزن أن يتزامن قمع المتظاهرين والمضربين في مصر مع التدريبات والمناورات العسكرية في إسرائيل. فالتاريخ سيسجل، حتمًا، أنه في أبريل 2008 قام الإسرائيليون بأكبر عملية للتدريب على مواجهة أنواع مختلفة من الهجوم، بينما استنفرت الحكومة المصرية أجهزتها الأمنية لإنجاز أمرين صارت دول كثيرة تخجل منهما، الأول قمع تحركات شعبية لبضعة آلاف يحتجون على الأوضاع الاقتصادية، والثاني تزوير إرادة الشعب وتمرير انتخابات محلية لا يتنافس فيها الحزب الحاكم (أو المتحكم) مع أحد. إسرائيل صارت بعد ستة عقود على إنشائها قوة اقليمية يُحسب لها ألف حساب، بينما فشلت الحكومة في مصر، بعد أكثر من ربع قرن من احتكار الحزب الوطني السلطة، في توفير الخبز وتنظيم المرور، ناهيك عن ضبط الأسعار أو زيادة الرواتب أو صنع سياسة خارجية مؤئرة... ليست هذه المقارنة موضوع مقالنا هذا، وإنما موضوعنا هو النظر فيما أنجزه حدث 6 أبريل وما الذي ينبغي عمله في المستقبل القريب.

كَسَرَ الحدث حاجز الخوف بعد عقود من الصبر والخوف والصمت، وحرّك الوعي لدى شرائح ظلت لعقود غائبة بإرادتها أو بغير إرادتها. ووفّر بهذا الزخم اللازم لتغيير عقلية الناس التي سيطر عليها لعقود أسطورة "عبثية التحرك ضد الحكومة" أو "إمكانية الضغط عليها لإحداث التغيير". بل وأثمر الحدث، قبل وقوعه، تنازلاً من الحكومة في شكل خطوات استرضائية. وهذا يعني أن مزيداً من الضغط سيدفع الحكومة إلى تنفيذ ما وعدت به، وإلى مزيد من التنازلات، فليس هناك تنازلات مجانية في عالم السياسة، ولم تتنازل حكومة ما بلا مقابل.

والسؤال الأهم، الآن، هو ما هو هذا المقابل المطلوب؟ وما الذي ينبغي على القوى الوطنية عمله وقد انكسرت عقدة الخوف وتوفر الزخم الشعبي؟ أرى أن على القوى الوطنية بجميع أطيافها سلوك الطريق المُجرّب تاريخياً وهو "التكتل" لتحقيق "هدف واحد" هو التحول فعلا إلى الديمقراطية، بمعنى:

أولاً: تكتل القوى الوطنية وتشكيل جبهة معارضة "ديمقراطية" تضم كل القوى التي تؤمن بالتداول السلمي على السلطة وعدم الإنفراد بالسلطة أو الإنقلاب على الديمقراطية. وهذا التكتل لابد أن يمد يده إلى أية عناصر إصلاحية داخل الحزب الحاكم.

ثانياً: الإتفاق على قيادة سياسية معتدلة ومقبولة من فئات واسعة من الجماهير والقوى الوطنية المُشكلة للتكتل، قيادة تمتلك صوت توافقي ومهارات التواصل والحوار، وقادرة على إيصال صوت هذا التكتل إلى الفئات الواسعة من الجماهير وإلى القوى الدولية المختلفة.

ثالثاً: تجاوز خلافات المصالح والإيديولوجيا "مؤقتاً" والكف عن انتقاد الآخر، والعمل على أن يتمحور هدف التكتل حول "إجراءات" إقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي وإنهاء الحكم المطلق، وهذا لا يتطلب الإنتهاء من صياغة مشروع دستور ديمقراطي أو لائحة طويلة من المطالب الديمقراطية، وإنما يكفي "الآن" "الإتفاق" على ما يُمهد الطريق لهذا الهدف، مثل هدف "انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور ديمقراطي"، أو "رفع قيود العمل السياسي وقيام حكومة انتقالية تمهد الطريق لجمعية تأسيسية". وبالطبع ليس مطلوبا "الآن" "الإتفاق" على نواتج هذا النظام أو نوعية السياسات المنشودة، فهذا هو موضع التنافس بعد قيام النظام الديمقراطي.

  رابعاً: العمل على توسيع دائرة المحتجين على سياسات الحكومة لتضم مثقفين وأدباء وشعراء وفنانين ورياضيين ومهنيين وغيرهم. وهذا أمر ضروري لأن تأثير هؤلاء أكبر بكثير من تأثير النخب السياسية. فالهدف هو إيجاد رأي عام مناصر للديمقراطية وضاغط من أجلها، أي إقناع فئات أوسع بأن جهود الإصلاح ليست قضية القوى القائمة أو الحزب الحاكم فقط وإنما هي قضية كل المصريين. وذلك مع الإستفادة من المساحة المتاحة والضغط الشعبي القائم لدفع الحكومة لتقديم مزيد من التنازلات، مع ضبط تحركات الشارع والتأكد من عدم انزلاقها إلى التخريب والعنف. 

خامساً: الاتجاه نحو القوى والمنظمات الدولية لكسب دعمها للمطالب الديمقراطية ورفع دعمها المعنوي لمعارضي الديمقراطية. فبرغم الإزدواجية الأمريكية في التعامل مع مسألة الديمقراطية في العالم العربي، إلا أنه لا يمكن تصور وقف الدعم المعنوي والمادي لأي نظام إلا إذا تشكل "بديل ديمقراطي" له في الداخل، أي أنه بدون تكتل معارض "ديمقراطي" و"معتدل"، ستظل مخاوف الأمريكيين من وصول بديل يهدد مصالحها ولو كان ديمقراطيا.

سادسًا: التحلي بالصبر والنَفَس الطويل وإدراك أنه لا يمكن أن يحقق "كل" تحرك "كل" الأهداف التي تتمناها "كل" الأطراف. كما أن الحكمة السياسية مفتاح للكثير من المآزق، ولكل مقام مقال.

إن جزءًا كبيرًا من مسؤولية فشل محاولات الإصلاح يعود إلى تحركات المعارضة نفسها. فتكتل المعارضين تحقق في دول كثيرة في السنوات الأخيرة، ويمكن أن يتحق في مصر إذا أدركت القوى السياسية فعلاً أنها متفقة، أساساً، على الهدف، وتوقفت عن استدعاء الخلافات الايديولوجية والتاريخية بينها أو النظر في نوايا الآخر. أكرر: وقت التنافس على المصالح والجدل الأيديولوجي ليس الآن وإنما بعد قيام النظام الديمقراطي، وشعار المرحلة لابد أن يكون "الديمقراطية الآن والتنافس لاحقًا". إذا عملنا على تحقيق هذا الشعار ستتغير أمور كثيرة، والله أعلم

 

 

 

 

 

 
 

Copyright 2007-2009 © Abdel-Fattah Mady. All rights reserved

Emails: ammady@gmail.com       -              abdelfattah.mady@gmail.com