موقع الدكتور/ عبدالفتاح ماضي

www.abdelfattahmady.net

 

الصفحة الرئيسية

العمود اليومي بجريدة أخبار الحياة، الاسكندرية

 

مؤتمر المجلس العسكري

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة، 21 ديسمبر 2011.

المؤتمر الذي عقده اللواء عادل عمارة في 19 ديسمبر - بعد أكثر من ثلاثة أيام من الأحداث التي بدأت فجر 16 ديسمبر والتي أدت قتل أكثر من عشرة متظاهرين وإصابة المئات وإهانة النساء وإحراق المجمع العلمي ومنشآت عامة أخرى - خليط من الإرتباك والتخبط والهروب والمراوغة.

من الناحية الشكلية، أثبت المجلس أنه غير قادر على اخراج مؤتمر صحفي، يقوم فيها المسؤول بتوضيح موقف المؤسسة بخطاب سياسي واضح وعلى مستوى الحدث. الرجل كان يقرأ تارة ويتحدث بشكل عفوي تارة أخرى، دون تنظيم أو تريتب منطقي. ضاق صدره من أسئلة الصحفيين إلى الحد الذي تم فيه تهديد إحدى الصحفيات بالطرد من القاعة، وكأنه داخل وحدته العسكرية. خطابه السياسي نظر إلى المتظاهرين على أنهم يمثلون "الجانب الآخر" وكأنه في معركة حربية. الرجل، كما معظم أعضاء المجلس، لا يمتلك مهارات التواصل مع الآخر والتحاور مع الصحفيين والإعلاميين..   

موضوعيا، عبر الرجل عن ضيق أفق المجلس العسكري وتمحوره حول روايته الخاصة بإمتياز. لم يقدم الرجل أي أجوبة محددة عن ما حدث، وكانت العبارة التي تكررت كثيرا على لسانه هي أنه "ليس لدينا منهجية في استخدام العنف مع المتظاهرين"، وهذه العبارة لا تنفي استخدام العنف في واقع الأمر. أشار الرجل أن المجلس الأعلى تحمل الكثير من الانتقادات التي وصلت إلى حد التشكيك وسوء الظن، دون أن يعترف بأي مسؤولية تجاه هذا الأمر ومتجاهلا تماما مبررات هذه الانتقادات، وكأن المجلس الأعلى لم يرتكب أي أخطاء خلال هذه الفترة. وانتقد الرجل أداء الإعلام متجاهلا أيضا أداء الإعلام الرسمي التي تتعامل مع المجلس العسكري وكأنه الرئيس المخلوع، إعلام الفتنة عند الرجل هو الإعلام الذي ينتقد الأداء السياسي للمجلس أما إعلام الحقيقية فهم الذي لا يرى أخطاء المجلس العسكري..

أدوات فهم الواقع وقراءته لدى أعضاء المجلس العسكري أدوات قديمة ولا تتسق مع الأوضاع المتغيرة التي تشهدها مصر منذ 25 يناير. هؤلاء الناس فشلوا في قراءة الواقع، ومهما تكن نواياهم حسنة كما يرى البعض، فإن الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.

الكرة ليست في ملعب المجلس العسكري، فالمجلس لا يفهم الواقع جيدا وهو غير قادر على تغيير موقفه الآن بإرادته. الكرة في ملعب القوى السياسية الرئيسية: لابد من تكتلها وراء هدف نقل السلطة إلى سلطة مدنية في أقرب وقت ممكن، ولابد من إرجاء النظر إلى مصالحها الضيقة فلن تتحق أي مصالح لا ذاتية ولا وطنية في ظل هذه الإدارة الفاشلة للمرحلة الإنتقالية. والضغط الشعبي في الميادين لابد أن يكون على رأس الأدوات المستخدمة لدفع المجلس إلى تسليم السلطة.

التأخر في هذا الأمر سيدفع البلاد إلى مزيد من العنف والفوضى وربما إلى تأجيل أو إلغاء الانتخابات، فإلى موجة جديدة من العنف وعدم الإستقرار السياسي، والأخطر من كل هذا هو احتمال تعرض المؤسسة العسكرية للخطر. كل القوى ستخسر إذا لم تتحرك بشكل جماعي.  

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

من ملامح الخطاب الإعلامي المطلوب

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 20 ديسمبر 2011.

نبرة بعض الفضائيات التابعة للأحزاب والتيارات ذات المرجعية الإسلامية تتجه أكثر فأكثر نحو إستقطاب في غاية الضرر لهذه التيارات ولمصر كلها.

استمعت مساء الأحد الماضي إلى تهكم غير لائق من أحد مذيعي قناة 25 يناير على الدكتور عمرو حمزاوي بمناسبة مبادرته للتوسط بين المعتصمين والمتظاهرين وبين السلطة.. وآلمنى أيضا في ذات اليوم تهكم وسخرية وهجوم أحد اللذين يسمون أنفسهم دعاة، على قناة الناس، على الدكتور حمزاوي والدكتور البرادعي وغيرهما جراء مواقفهم من ذات الأحداث أيضا..

هذا النوع من التهكم والسخرية لم يناقش حمزاوي والبرادعي في أفكارهما ومدى إمكانية تنفيذها في الواقع، ولم يقدم لهما بديلا للمناقشة والتواصل والتلاقي في منتصف الطريق، وإنما اتجه إما إلى نقد شخصي للرجلين أو إلى مجرد إظهار إبتسامة سخرية من مواقفهما..

هذه النبرة تحتاج إلى وقفة مع الذات ومراجعة حقيقية للسياسة التحريرية ولنوعية الخطاب الإعلامي بشكل عام. بالإمكان (بل ومن المطلوب والضروري) أن نشتبك ونختلف مع آراء ومواقف كافة الأطراف والشخصيات من كافة الاتجاهات، لكن ليس بهدف إحراج الآخر وإظهار فشله والضحك عليه، وإنما لتقييم هذه الآراء والمواقف، ولتقديم ما يؤدي إلى تحسينها وتهذيبها، ولتقديم البدائل للمناقشة والحوار..

نعم هناك تحايل وانتقادات غير موضوعية للتيارات الإسلامية من قبل الفضائيات الأخرى، لكن الحل ليس في تكرار ممارسات الآخر الذي ننتقده، وإنما في تقديم البدائل وطرح الرؤى وتناول الرأي والرأي الآخر. وأرجو أيضا أن يستعين كل إعلامي ومذيع بالمتخصصين عند الحديث في السياسة بعد أن تحول معظم هؤلاء إلى خبراء في السياسة وأصبحوا ينشرون أفكارا وأراءً تتناقض مع أبجديات العلوم السياسية والتحول الديمقراطي.. 

في الدول المحترمة، العقول تعتمد على النقد والتحليل وتلتزم قدر الإمكان بالموضوعية والحياد في الإستماع إلى الآخر وفي طرح الأفكار والبرامج، فالحكمة هي فعلا ضالة كل إنسان هناك. ولا مجال هناك للتشكيك في كل شيء وزرع نظريات المؤامرة في كل إتجاه بدون أدلة وبراهين حقيقية. الآراء في الدول المحترمة تتلاقى وتتشابك للخروج بآراء جديدة أكثر نضجا وأكثر دقة وأكثر قدرة على الخروج بما ينفع الناس وبما يحقق المصلحة العامة لجموع المصريين. ولا يجرؤ أي إنسان على الإدلاء بأي رأي أو فكرة إلا بعد أن يعرف جيدا أبعاد الموضوع وبعد أن يستشير أهل العلم والذكر. هذه هي بعض المعايير.. أيها العقلاء، والله أعلم.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

الحاجة إلى حكومة منتخبة في 15 يناير القادم

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 19 ديسمبر 2011.

المسؤول الأول عن هذه أحداث 16 و17 ديسمبر هو المجلس العسكري الذي أدار المرحلة الإنتقالية بعدد كبير من الأخطاء، بدأت بالإنفراد في إدارة المرحلة وانتهت بالقيام بدور الشرطة سابقا باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين والمعتصمين بشكل واضح.

الآن على المجلس العسكري تنفيذ المطالب الذي وضعها المجلس الإستشاري الذي وضعه واختار أعضائه المجلس العسكري ذاته. لابد من وقف استخدام العنف ضد المتظاهرين فورا، ولابد من إعتذار واضح ومباشر، ولابد من رعاية المصابين وأسر الشهداء، ولابد من إرجاء تحقيق مستقل والتعهد بتقديم مرتكبي جرائم 16 و17 ديسمبر إلى العدالة في أقرب وقت.

والأهم من كل هذا هو اتخاذ كل التدابير الممكنة لعدم تكرار ما يحدث منذ شهور بشمل منهجي. ولن يتم هذا إلا بالإسراع بتسليم السلطة إلى سلطة مدنية منتخبة. واقترح أن يتم هذا في 15 يناير القادم بعد الإعلان النهائي عن نتائج المرحلة الأخيرة للانتخابات، وذلك بعد أن يعدل المجلس العسكري الإعلان الدستوري الآن ليلزم البرلمان والقوى الممثلة فيه بتشكيل حكومة وحدة وطنية بتأييد 75 في المائة من أعضاء البرلمان القادم على الأقل. هذه الحكومة المدنية المنتخبة هي التي يجب عليها أن تدير ما تبقى من المرحلة الانتقالية وتشرف على فترة إعداد الدستور وإجراء انتخابات الرئاسة.

سيقلل هذا الحل من حدة التنافس في البرلمان وسيدفع الجميع إلى العمل من أجل إدارة راشدة لما تبقى من المرحلة الانتقالية، والأهم أنه سيدفع الجميع إلى تحمل جزءا من مسؤولية هذه المرحلة التاريخية ومعالجة أخطاء المرحلة السابقة. عمليات التفاوض كلها لابد أن تتم داخل البرلمان والوزارة المنتخبتين. الصراع السياسي سينتقل من الميادين إلى ساحة البرلمان، وسيطمئن أهالي الشهداء والمصابين، وستقل أهمية اللجوء إلى الميادين للمناداة بالحقوق وبمطالب الثورة.

حدث هذا الأمر في جنوب افريقيا حينما توافقت القوى السياسية بعد الانتقال من نظام الفصل العنصري على أن تكون أول حكومة بعد أول انتخابات ديمقراطية حكومة وحدة وطنية بأغلبية الثلثين.

المسؤول الثاني عن هذه الأحداث هو القوى السياسية بكافة أطيافها، بتفرقها واهتمامها بقضاياها الخاصة وبمشاريعها السياسية دون العمل بشكل جدي مع الشباب والمعتصمين منذ أسابيع ودون التمسك بكافة أهداف الثورة. الثورة لم تنته بعد ومطالب هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين مطالب مشروعة وهي جزء لا يتجزأ من مطالب الثورة.  ولولا تفرق الأحزاب والقوى الثورية وعدم اهتمامها بالشباب وبالحركات الاحتجاجية ما انفرد المجلس العسكري بهؤلاء وما تم تلويث سمعتهم باتهامات لا أساس لها من الصحة حتى الآن وما اخترقتهم فئات أخرى لا نعرف ما أهدافها ولا مبررات بعض تصرفاتها التي لا تتسق مع أهداف الثورة ولا سلميتها.

فليتوقف الجميع عن الاتهامات وسوء الظن بالآخر وتصور أن وراء كل حدث مؤامرة. الثورة في مفترق طرق، ولا يمكن معالجة كل الأخطاء التي ارتكبها الجميع إلا بوحدة صف كافة القوى السياسية الوطنية والضغط من أجل تسليم السلطة من المجلس العسكري إلى حكومة منتخبة وتحظى بأغلبية الثلثين في البرلمان المنتخب.    

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

الثورة والحاجة إلى هيئة للتثقيف والتوعية

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 15 ديسمبر 2011.

حماس بعض الشباب لتحقيق مزيد من الإنجازات بعد نجاح الثورة من خلال التظاهرات له ما يبرره بالنظر إلى التاريخ الطويل لاستبعاد الشباب، وعدم اكتمال كل مطالب الثورة. فمازال هناك مطلب أساسى هو وضع دستور جديد من خلال جمعية تأسيسية فى مرحلة انتقالية مدتها سنة على الأقل، تقود البلاد خلالها حكومة انتقالية

كما أن خوف الكثيرين من استمرار الشباب فى تصعيد مطالبهم واستمرار حالة عدم الاستقرار له ما يبرره أيضا بالنظر إلى تصور بعض الشباب أن بإمكانهم تحقيق كل ما يريدونه وامتداد بعض المطالب إلى أمور لا علاقة مباشرة لها بآمال الشباب وطموحاتهم. فطبيعى أن يتحدث طلاب الجامعات عن اتحادات الطلبة وعن العمل السياسى داخل الجامعات، لكن ليس منطقيا أن يصر بعض الطلاب على طريقة معينة لاختيار العمداء مثلا

هذه الأمور تتصل بمسألة الوعى فى المقام الأول. فهناك حاجة ملحة لبرامج توعية وتثقيف سياسى مكثفة لتوعية الشباب، وغير الشباب، باستحقاقات المرحلة الانتقالية خاصة فيما يتصل بأهمية بذل كل الجهود لإقامة دولة المؤسسات والنظام الديمقراطى. فبدلا من تصور بعض الشباب أن عليهم الاستمرار فى حماية مكتسبات الثورة بالعودة إلى ميدان التحرير متى استدعى الأمر، لابد لهم من إدراك، من خلال برامج التوعية، أن الدولة الديمقراطية الحديثة هى دولة المؤسسات التى توفر قنوات سلمية للتعبير عن الرأى ورفع المطالب كالأحزاب والنقابات والمجتمع المدنى، وإدراك أن الحقوق السياسية والمدنية سيكون لها ضمانات تمكن جميع المواطنين من التمتع بحقوق الإضراب والتظاهر السلمى تماما كما ستلزمهم بمجموعة من الواجبات فالديمقراطية مسئولية فى المقام الأول

كما أن تخوف الشباب من عودة تسلط النخب والقيادات داخل الأحزاب والمؤسسات وإعادة النظام القديم بأشكال جديدة أمور لابد من توضيحها عن طريق إدراك أن النظام الديمقراطى المنشود يستلزم ضمانات فعالة لمبدأ حكم القانون واستقلال القضاء والتداول على السلطة، وضمانات أخرى لتفعيل أدوات الرقابة السياسية والقضائية والمالية، وإدراك أن الديمقراطية لا تقوم إلا بتعزيز المشاركة والتخلى عن السلبية. وهذه أمور ترتبط بالأساس بوعى المواطنين لحقوقهم وقيامهم بالدفاع عنها عبر كل القنوات الشرعية

تحتاج مصر، خلال هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها، إلى إنشاء هيئة وطنية للتثقيف والتوعية، تقدم برامج تربية سياسية مكثفة تستهدف إعادة الثقة بين المواطنين والسياسة بشكل عام، وتعيد الثقة بين المواطنين وجهاز الشرطة، وترسخ المعانى الإيجابية لمفهوم السياسة والتى تتضمن، فى اللغة العربية، معانى مثل الإصلاح والرعاية.

بجانب تأهيل المواطنين سياسيا ومساعدتهم فى استيعاب ما تمر به مصر الآن، وإكسابهم المعارف والمهارات الضرورية لتمكينهم من المشاركة الفعالة فى النظام الديمقراطى وبناء نهضة شاملة طال انتظارها

هذه البرامج لابد أن تهتم بإزالة كل الآثار السلبية التى خلفتها عمليات التضليل التى مارسها أقطاب النظام السابق، وتكشف حقيقة عمليات غسيل المواقف التى يقوم بها بعض مؤيدى النظام السابق الآن.

بالإضافة إلى قيام الهيئة بالإشراف على تصميم مقررات دراسية لمختلف مراحل التعليم فى مجالات التربية المدنية وحقوق الإنسان وواجباته.

ويمكن هنا استخدام كل طرق التعليم كالمحاضرات والندوات وورش العمل والدورات التدريبية والزيارات الميدانية، كما يمكن استخدام كل الوسائل لإتاحة المواد التعليمية لأكبر عدد من المواطنين كالكتب والصحف والأدلة والمواد الإلكترونية وغيرها. وهناك هيئات دولية كثيرة يمكن التعاون معها فى هذا المجال

مصر بعد الثورة فى حاجة إلى جهود كبيرة لإيجاد المواطن المسئول، أى المواطن المهتم بقضايا مجتمعه، والمدرك لمسئوليته الاجتماعية، والقادر على المشاركة فى الشأن العام

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

الجنزوري والتواصل السياسي

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 14 ديسمبر 2011.

من أفضل الأمور التي يجب تسجيلها للدكتور كمال الجنزوري حتى الآن هو تواصله مع الجماهير.

عاشت مصر في الشهور الماضية ومنذ إسقاط النظام البائد تحت حكم المجلس العسكري وحكومتي شفيق وشرف دون أن يخرج مسؤول واحد على الناس ويتحدث لهم، بشكل مباشر ومفهوم، عن الأمور الممكن تنفيذها فورا والأمور التي يمكن معالجتها على المدى المتوسط والأمور التي لا يمكن البت فيها في الوقت الراهن، مع توضيح مبررات كل تصرف وقرار يصدره هذا المسؤول.

لم يحدث هذا لا من المجلس العسكري ولا من الحكومة. بل وجدنا تصريحات متضاربة من أعضاء المجلس العسكري لم يكن لها نتائج إلا مزيدا من التخبط والغموض. أما الحكومة السابقة فقد افتقدت أبسط أبجديات التواصل السياسي أيضا.

غياب مثل هذا النوع من التواصل ترتب عليه الكثير من الأمور السلبية وأوجد مساحات ممتدة من الشك وعدم الثقة بين القوى السياسية والسلطة القائمة. كما فصل الحكومة والمجلس العسكري عن الناس، ما دفع الناس إلى التواصل معهما عبر الميادين لإيصال مطالبهم المشروعة. كل الإنجازات التي تمت جاءت نتاجا طبيعيا للضغط الشعبي.   

الدكتور الجنزوري هو المسؤول الوحيد منذ الثورة الذي يمتلك القدرة على التواصل مع الناس والتحدث معهم. وهذا أمر جيد. وقد بدأ في التواصل مع الناس منذ الأيام الأولى لتكليفه وأرجو أن يستمر في هذا السلوك ولا ينفصل عن الناس.

السياسة هي فن الممكن، ولا يمكن للسياسي تنفيذ كل مطالب الجماهير دفعة واحدة، وهناك دوما أولويات أمام صناع القرار. ودور التواصل السياسي بين المسؤول والشعب هو ربط نبض الشارع وهمومه بأولويات صناع القرار وبالسياسات والقرارات الصادرة عنهم. وعندما تكون قنوات التواصل هذه مفتوحة وفعالة سيتفهم الشعب وسيتمكن صناع القرار من ترتيب الأوليات ومعالجة التحديات المطروحة.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

التوافقات أولا داخل المجلس الإستشاري أو خارجه

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

بعد أكثر من عشرة شهور من تسلم المجلس العسكري مقاليد الأمور وبعد ضغط شعبي قوي يومي 19 و20 نوفمبر والمطالبة بضرورة تسليم المجلس العسكري السلطة إلى حكومة مدنية أو مجلس مدني، اضطر المجلس العسكري إلى التنازل فقبل إستقالة الحكومة وكلف الدكتور الجنزوري بتشكيل حكومة جديدة وشكل مجلسا استشاريا ليعاونه فيما تبقى من المرحلة الإنتقالية.

بالطبع تحرك المجلس العسكري جاء متأخرا، لسبب أساسي – ليس فقط تأخر العسكر أنفسهم فقد تعودنا على هذا منذ فبراير الماضي – وإنما لتأخر الضغط الشعبي. الشعب المصري شعب صبور لكنه متى ضاق ذرعا نفذ صبره وتحرك في الميادين. القدرة على الحشد لازالت مرتفعة، فعندما شعر الإسلاميون بخطور وثيقة السلمي خرجت مليونية 18 نوفمبر، وعندما ارتكبت الشرطة مجزرة ضد أهالي المصابين والشهداء المعتصمين بالتحرير، خرجت بقية القوى السياسية وإئتلافات الشباب فكانت مليونية 19 و20 نوفمبر.     

لم يستفد المجلس العسكري من الرؤى التي قدمت من قبل وانفرد في الشهور العشرة الأخيرة بصنع معظم القوانين المنظمة للحياة السياسية، ولهذا خرجت هذه القوانين بثغرات كثيرة، وهي لا شك تحتاج إلى تعديلات جوهرية في المستقبل القريب. ولهذا لا أعتقد أن هناك ضرورة للتسرع وإخراج قانون انتخابات رئاسة الجمهورية الآن، والذي سيحدد اختصاصات الرئيس وكيفية اختياره، والذي قيل أن المجلس الإستشاري سيناقش هذا الأسبوع مشروع القانون الذي وضعه المجلس العسكري، ولا سيما أن بالمجلس مرشحون للرئاسة.. الأمر الذي قد يثير بعض القضايا الخلافية من جديد في وقت نحتاج فيه لوحدة الصف.. كما لا يجب أن ينفرد المجلس بوضع معايير اختيار اللجنة التأسيسية التي سيختارها البرلمان لوضع الدستور، ولا بالطبع المعايير الأساسية للدستور.

الآن الساحة السياسية بها قوى سياسية بدأت أوزانها البرلمانية في الظهور عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية، وبالتالي التوافق السياسي الذي يجب أن يتم هو بين هذه القوة السياسية وغيرها من القوى التي لا تمثل بالبرلمان كالنقابات والمجتمع المدني والأقليات وغيرها. فإما أن يعود حزب العدالة والحرية للمجلس الإستشاري ويتم توسيع المجلس ليضم كافة القوى السياسية والمجتمعية ثم يتم التوافق داخل هذا المجلس، وإما أن تتجه القوى السياسية التي مثلت في المجلس الإستشاري وتلك التي لم تمثل والقوى المجتمعية الأخرى إلى حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين للتفاوض والتوافق على ما تشاء.

بالمجلس الإستشاري أو بدونه، هذه المرحلة التاريخية مرحلة التوافقات الكبرى وليس مرحلة الإنفراد من هنا أو الإستعلاء من هناك. حتى بعد بدء أعمال البرلمان، لابد أن يسود مبدأ التوافق والتفاوض والحلول الوسط والتنازلات المتبادلة وذلك حتى يتم وضع الدستور وبناء النظام السياسي الديمقراطي المنشود. مصر في مرحلة تأسيسية، والتأسيس لا ينبغي أن ينفرد به طرف واحد.  

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

الإسلاميون والديمقراطية

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة، 13 ديسمبر 2011.

مع صعود القوة الانتخابية للإسلاميين في مصر بعد الثورة، تزداد الحاجة إلى توضيح بعض الأمور في شأن علاقة الإسلاميين بالديمقراطية.

لاشك أنه لا تزال مواقف جناح من التيار الإسلامي في مصر ملتبسة في شأن الديمقراطية، إذ يرى الكثيرون – على مستوى القيادة والقاعدة - أن لا حاجة للديمقراطية إذا ما طُبق الإسلام وحكمت الشريعة. هؤلاء يقارنون بين الإسلام والديمقراطية، وهذا أمر غير دقيق ولا يجوز، فالإسلام دين شامل به أحكام في العقيدة والعبادات والمعاملات بما في ذلك الشأن السياسي، أما الديمقراطية فنظام لإدارة الشأن السياسي. ولهذا فالأصوب أن نفهم موقف الإسلاميين (أي اللذين يستندون إلى مرجعية فكرية مستمدة من الإسلام) من الديمقراطية.

هناك فهم عام صحيح قوامه أن الإسلام يضع الأحكام الإلهية الثابتة والمرجعات العليا والمبادئ الأساسية تاركًا للمسلمين على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وعاداتهم واجب (وليس مجرد حق) انزال تلك الأحكام على الواقع المختلف باختلاف الزمان والمكان ووضع الأنظمة التي تكفل تطبيق تلك المبادئ والمرجعيات.. بمعنى ليس من الدقة القول أن بالإسلام نظام سياسي، وإنما الأدق هو أن نقول أن بالإسلام معين لا ينضب هو الشريعة التي تصلح للإستناد إليها في وضع المرجعية العامة لأي نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.. وما نضعه من أنظمة لابد أن يتغير بتغير الزمان والمكان، بل وفهمنا للشريعة متغير بتغير الزمان والمكان.. وبالطبع يمكن وصف ما نضعه من أنظمة بوصف الإسلامية، إلا أن طبيعتها المتغيرة والبشرية والقابلة للحكم عليها بأنها صواب أو خطأ يجب أن تدفعنا لتجنب وصفها بالإسلامية، في اعتقادي، فالخطأ سيعود في الأغلب للإسلام ذاته..     

ومن جهة أخرى، يغيب عن بعض الإسلاميين أن الديمقراطية هي نظام للحكم ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحدد الاجراءات والممارسات والمؤسسات والقيم الكفيلة بأمرين، أولهما كيفية اختيار الحكام ومحاسبتهم وعزلهم عند الضرورة، وثانيهما حماية حريات الأفراد وحقوقهم وكرامتهم. والديمقراطية بهذا المعنى، وإلى أن نعود لها في مقالات أخرى، ليست منتجا غربيا صرفا، وليست فلسفة سياسية تنافس الأديان، وهي تعمل في بيئات مختلفة ثقافيا واجتماعيا..

وهناك مشكلة أخرى هي أن من الإسلاميين من يهتم بعيوب الديمقراطية في الغرب أكثر من عيوب أنفسهم.. فالكثير يجتهد في خطابه بإظهار تلك العيوب دون بذل الجهد لتقديم البديل أو دون إعمال العقول لتقديم المقاربات اللازمة للمواءمة بين أوضاعهم المحلية وبين الديمقراطية.. خطورة هذا الخطاب هو أنه يزرع في الناس اعتقادا خاطئا بأن الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، دون تقديم بديل ملموس تفصيلي.. والقول ببساطة أن العودة للإسلام تحل الأمر فيه تخدير لعقول الناس التي أمرها الله عز وجل أن تبدع في وضع الأنظمة التي تنزل الأحكام الإلهية الثابتة على الواقع المتغير زمانا ومكانا أو أن تقتبس من الآخرين بما لا يتعارض مع ثوابت الإسلام.. 

ما لا يفعله جناح من إسلاميي مصر (وفعله الكثيرون من الديمقراطيين الجدد في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا وماليزيا وغيرها) هو عملية المواءمة بين متطلبات ومرجعيات مجتمعاتهم وبين الديمقراطية دون تسفيه الديمقراطية والترويج لها على غير حقيقتها.. ويكفي هنا الإطلاع على المواءمات التي أنتجت الدساتير والأنظمة والقوانين الانتخابية في أمريكا اللاتينية والهند، أو على فهم رؤية مهاتير محمد وأنور إبراهيم في ماليزيا أو أردوغان وأوغلوا في تركيا في شأن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.. هذه المواءمات ليست نقلا مباشرا من الغرب وإنما إعمال للعقل وأخذ لما يوافق مجتمعاتهم والإضافة عليها وهذا هو الأهم.. 

الديمقراطية أحد أشكال الحكم وليس "الشكل الوحيد"، وهي أصلح نظام وصل إليه البشر حتى يومنا هذا وليس "الأصلح"، ولهذا بها عيوب وإشكاليات تظهر دوما في أي نظام من صنع البشر.. لكن بالإمكان العمل على (بل ويجب العمل على) سد الثغرات التي أفرزتها الممارسات الغربية للديمقراطية، لأن الديمقراطية ذاتها توفر قدرا كبيرا من الحرية وآليات مختلفة للتصحيح.. والله أعلم.  

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

أمريكا والديمقراطية

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة، 12 ديسمبر 2011.

 بمناسبة زيارة المسؤولين الأمريكيين لمصر هذه الأيام، ارجو أن يستطيع رئيس الحكومة ورئيس المجلس العسكري وكل سياسي قابل أو سيقابل أي مسؤولين أمريكيين أن يعرفهم أن الكرة في الملعب الأمريكي. هم بالطبع يريدون الإطمئنان على مصالحهم في مصر، ويخافون من توجهات حكام مصر القادمين.

لكن ما يجب أن يسمعه المسؤولون الأمريكيون هو أنه لعقود طويلة ساندت أمريكا الحكام المستبدين في الدول العربية، وهي لاتزال تساند من تبقى منهم، وأن على أمريكا حسم علاقاتها بالدول العربية فى شأن الديمقراطية، على النحو الذى حسمت به علاقاتها مع دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.

ففى شرق أوروبا، ساعدت أمريكا القوى الديمقراطية فى إطار مواجهتها للشيوعية. وفي أمريكا اللاتينية، وقع وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، كولن باول، فى بيرو فى 9/11/2001 مع مسئولين من دول منظمة الدول الأمريكية «العقد الديمقراطى الأمريكى»، وهو الميثاق الذى دشن مرحلة جديدة فى علاقات واشنطن بجيرانها الجنوبيين، فقد تخلت واشنطن عن سياسة التدخل وفرض الهيمنة وتعهدت بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للآخرين، واحترام مبدأ السيادة والقانون الدولى. وصارت الديمقراطية، فى عبارات قاطعة، حقا من حقوق شعوب المنطقة، وأمرا أساسيا للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان وحقوق العمال. والتزم أعضاء المنظمة بالدفاع عن الديمقراطية ونشر ثقافتها، وتقوية المجتمع المدنى، وتجريم التمييز

تحتاج المنطقة إلى عهد ديمقراطى عربى أمريكى، يأخذ فى الحسبان احترام رغبة الشعوب العربية فى اختيار الديمقراطية كنظام حكم بلا تدخل أو ضغط خارجى، وفى عدم تجاهل الإسلام ضمن مرجعيتها العليا لنظمها الديمقراطية المنشودة، مع التأكيد على مكونات الثقافة العربية الجامعة للشعوب العربية على اختلاف ثقافاتها الفرعية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية والتوقف عن دعم أى أنظمة تنتهك حقوق الإنسان. واحترام حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وحق فلسطينى 1948 فى حقوق المواطنة الكاملة، والكف عن دعم إسرائيل مادامت تنتهك حقوق الإنسان وتمارس التمييز على أساس دينى. بجانب إجراء عملية مصالحة عراقية ــ عراقية وليبية ــ ليبية برعاية الدول العربية والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وانهاء الاحتلال الأمريكى للعراق وإحلال قوات أممية لحفظ الأمن ومراقبة عملية المصالحة

فى حالة الوصول إلى مثل هذه التعهدات المتبادلة والتقيد بها يمكن الحديث فعلا عن إعادة بناء العلاقات العربية ـــ الأمريكية على أسس صحيحة.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

الحاجة إلى خطاب ديمقراطي مشترك لحماية الثورة

عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة، 10 ديسمبر 2011.

في ضوء نتيحة المرحلة الأولى من الانتخابات وتخوف الليبراليين واليساريين والعسكريين من نتائجها، وفي ضوء فزع الإسلاميين والليبراليين واليساريين من تصريحات بعض أعضاء المجلس العسكري وآخرها تصريحات اللواء مختار الملا، أتصور أن هناك خطرا واضحا على الثورة يقتضي أمرين عاجلين:

أولهما توقف كافة القوى السياسية عن لوم بعضها البعض وتخليها عن الشكوك المتبادلة، وإدراك أن هذه الشكوك المتبادلة وانقسامات القوى السياسية ستنتج خطرا مشتركا هو الإلتفاف على الثورة وإعادة انتاج النظام القديم بوجوه وأشكال جديدة. والضحية هنا هي كل القوى الوطنية، إسلامية كانت أو ليبرالية أو يسارية.      

الأمر الثاني هو قيام حزب الحرية والعدالة بأخذ زمام المبادرة والدعوة إلى اجتماع عاجل مع القوى السياسية الرئيسة التي مُثلت بالبرلمان حتى الآن وتلك التي لم تمثل كإئتلافات الشباب والحركات الاحتجاجية الأخرى والشخصيات العامة المؤثرة وعلى رأسها الدكتور البرادعي والدكتور أبوالفتوح.

يتم في الاجتماع التعهد كتابة بعدم الحديث عن أي أهداف أخرى حتى تسليم العسكريين السلطة لمؤسسات مدنية منتخبة (برلمان وحكومة ورئيس)، وتحديد الهدف الوطني الجامع وهو في اعتقادي ذو شقين (أ) التوافق على طبيعة النظام الديمقراطي المنشود، و(ب) التوافق على معايير عامة لاختيار اللجنة التي ستضع الدستور المنشئ لهذا النظام.

ففي ظل وجود تصريحات ترى أن الديمقراطية كفر أو تخلط بغير دراية بين الديمقراطية ونتائجها عندما ترى أن ديمقراطية أمريكا حرام وديمقراطية مصر حلال!! وفي ظل ظهور تصريحات متضاربة حول الدستور من قبل أعضاء المجلس العسكري، فإن هناك حاجة ملحة الآن لوضع تعريف إجرائي واضح للنظام الديمقراطي المنشود، وهو باختصار النظام الذي:

(1) يختار فيه الشعب حكامه (والحكام هم ثلاث مؤسسات منتخبة هي برلمان منتخب، وحكومة منبثقة عن البرلمان يشكلها حزب الأغلبية أو تكتل أحزاب الأغلبية، ورئيس منتخب)،

(2) لا مكان فيه لوصاية أية هيئة عسكرية أو أمنية على المؤسسات المنتخبة الثلاث، وتتم فيه مناقشة ميزانيتي الجيش والأمن داخل لجنة مصغرة بالبرلمان،

(3) لا مكان فيه لوصاية باسم الدين على الهيئات المنتخبة، ويتم فيه تفعيل مؤسسة الأزهر للتعبير عن حقيقة الإسلام وتقديم الفقه المناسب،

(4) يتم فيه الإحتكام إلى المحكمة الدستورية العليا في الأمور المتصلة بمدى توافق أو تعارض التشريعات مع المادة الثانية،

(5) لا مكان فيه للتمييز في تولي المناصب واختيار المسؤولين على أساس الدين أو اللون أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية،

(6) لا مكان فيه لإنفراد أي حزب أو جماعة بالمؤسسات الثلاث المنتخبة، وهنا يمكن التحدث لاحقا عن الترتيبات المؤسسية والحوافز التي لابد أن يضعها الدستور لتعزيز التوافق بين الأحزاب قبل وأثناء الانتخابات وداخل البرلمان وأثناء عمل الحكومة. وهذه ترتيبات يجتهد في وضعها خبراء النظم السياسية والتحول الديمقراطي في معظم الدول الديمقراطية الناشئة. 

كما يجب التوافق على معايير عامة لاختيار اللجنة التي ستضع الدستور وذلك لتمثيل كافة القوى السياسية والمجتمعية ولطمأنة الخائفين من فوز الإسلاميين. فالدساتير لا توضع من قبل الأغلبية بالبرلمان في أي مكان في العالم، وإنما بالتوافق بين كل القوى والفئات وبتقديم تنازلات متبادلة وحلول وسط خلاقة لكافة الأمور المختلف عليها. ومن علامات نجاح الدساتير أن يشعر كل طرف أنه حقق بعضًا من مطالبه وتنازل عن بعضها الآخر إرضاءً للأطراف الأخرى.

بغير مثل هذا النوع من التوافق لن تتحقق مطالب الثورة ولن يمكن معالجة كل الإرتباكات والثغرات التي خلقها المسار الذي أوصلتنا إليه إنقسامات النخب وضيق أفقها، والسياسات والقوانين التي اعتمدها المجلس العسكري بدون تشاور أو حوار حقيقي. 

سيساعد هذا التوافق على الوصول إلى الهدف الوطني الجامع وهو النظام الديمقراطي، ذلك النظام الكفيل، بعد قيامه، بحماية حريات الناس وبتمكين الأكفاء المخلصين وقيامهم بمعالجة كافة المشكلات التي تركها النظام البائد في كافة القطاعات في الاقتصاد والتعليم والصحة والمواصلات، وحماية كرامة المصريين وصنع سياسة خارجية مؤثرة ومواجهة مخططات الخارج. والله أعلم.

 

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

الحاجة إلى حركة وطنية جامعة

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 8 ديسمبر 2011.

تحتاج مصر في هذه اللحظة التاريخية إلى حركة وطنية مصرية جامعة. الهدف المشترك لهذه الحركة الوطنية موجود وهو إعادة بناء مصر وإصلاح ما أفسده النظام البائد في كافة القطاعات. ثلاثة أسباب على الأقل تتطلب هذا النوع من التكتلات: أولها صعوبة انفراد فصيل واحد بمهمة البناء تلك، وثانيها وجود أعداء لمصر وللثورة في الداخل والخارج، بجانب أن نجاح عملية الانتقال نظام حكم ديمقراطي مدني تتطلب هذا التكتل أيضا. 

وقد ثبت نجاح هذا النوع من التحالفات الواسعة في حالات مشابهة (أو ما يطلق عليه في أدبيات السياسة "الأحزاب عابرة الأعراق والأديان"). ففي الهند هناك حزب المؤتمر الذي كان يناضل من أجل الإستقلال حتى 1947 ثم لعب دور الحزب الوطني الجامع بعد الإستقلال، وهو يحكم الهند منذ الإستقلال وحتى اليوم (فيما عدا فترة قصيرة في السبعينيات)، وحقق للهند وحدتها ونهضتها حتى صارت الهند من الدول المرشحة لدخول نادي الدول العظمى بعد عقد أو عقدين من الزمان كما تقدر الكثير من الدوائر البحثية في الغرب. وفي ماليزيا هناك حركة أمنو التي تحكم البلاد منذ الإستقلال وحتى الآن على نفس نمط حزب المؤتمر الهندي. كما أن حزب العدالة والتنمية التركي يسير على نفس المنوال بتحالفاته الواسعة وقدرته على توسيع دائرة مؤيديه وسط طبقات وفئات مختلفة في المجتمع.   

وفي العالم العربي، حاولت بعض الأحزاب العربية قبل وفي أعقاب الإستقلال لعب ذات الدور الوطني الجامع، كما حدث مع حزب الوفد في مصر الذي تشكل كمظلة وطنية جامعة، وجبهة العمل الوطني في سوريا، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر، وحزب الإستقلال في المغرب. عوامل كثيرة أفشلت هذه المحاولات منها سيطرة العسكريين أو تشتت النخب أو تدخل الخارج..

والسؤال هنا: هل تستطيع جماعة الإخوان المسلمون، وذراعها السياسي الممثل في حزب الحرية والعدالة، القيام بمثل هذا الدور بعد حصولها لأول مرة في تاريخها على شرعية شعبية كأكبر فصيل سياسي في البرلمان؟ وهل هذه الشرعية ستدفعها إلى الإبتعاد عن الآخرين والإنفراد بتشكيل إئتلافات حكومية تهيمن هي فيها على مقدرات  الأمور أم ستدفعها إلى تطوير حركة مصرية وطنية جامعة، تحتاجها مصر بعد عقود من القمع والإستبداد والإفساد والتبعية المذلة للخارج، وتساهم فيها كافة التيارات والأحزاب الرئيسية؟

معالجة الإرث الثقيل للنظام البائد أمر ليس باليسير، وهو لا يحتمل التنافس والصراع بين القوى المختلفة في البرلمان القادم.  

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

مستقبل العمل السياسي الإسلامي بعد الانتخابات

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة، 6 ديسمبر 2011.

حصول حزب الحرية والعدالة على ثقة الناخبين في المرحلة الأولى للانتخابات يحتم على كافة الإسلاميين التعامل مع غيرهم من التيارات دون الشعور بأنهم (أي الإسلاميين) أمة من دون الناس. فالإسلاميون جزء لا يتجزأ من نسيج هذا الوطن، وهم جزء من مسلمي مصر الذين يشكلون نحو 95 في المائة من السكان. وهنا لابد من توضيح عدة أمور:

 أولا: أن الهدف الذي لابد أن يُجمع عليه المصريون، إسلاميون وغير إسلاميين، في هذه اللحظة التاريخية هو بناء مصر القوية في كافة المجالات وعلى الأخص: النظام السياسي وحماية الحريات والتعددية والقضاء المستقل- الاقتصاد الوطني وما يرتبط به صناعة وزراعة ومواصلات وخدمات - والهُوية العربية والإسلامية وما يتصل بها تعليم وثقافة وإعلام وغيرها. الأولوية لابد أن تعطى لهذه الأمور الملموسة التي تخلق إنسانا مصريا جديدا، وتحافظ على كرامته، وتمكنه من التصدي للقضايا الأكبر لاحقا. أما وضع القضايا الأكبر على الأجندة الوطنية الآن فسيؤدي إلى اختلاف القوى السياسية وانقسام الشارع، كما أن حسم هذه القضايا يحتاج إلى أوضاع مواتية من الناحيتين السياسية والاقتصادية ومن ناحية مكانة مصر بين الدول. سُنة التدرج ضرورة حاكمة في بناء الأمم ونهضتها.

 ثانيا: كان على الإسلاميين في ظل النظام السابق واجب النضال من أجل حريتهم، أما الآن فواجبهم أهم وأخطر، إذ عليهم أن يُسهموا مع القوى الوطنية الأخرى في التصدي لمهمة بناء مصر ووضعها على الطريق المؤدي إلى نهضتها دون تصور أنه يجب عليهم الإنفراد بهذه المهمة ودون إعادة إنتاج ممارسات النظام البائد من إقصاء وإستعلاء وتضخيم للذات. أخطاء التيار الإسلامي في السابق كانت تعود عليهم هم فقط في معظم الحالات، أما أخطاؤه الآن فستعود على مصر كلها، بل وستنعكس على الدول العربية، فالوضع الجيوسياسي لمصر يحتم عليها التأثير في محيطها العربي والافريقي. على إسلاميي مصر تقديم نموذج إيجابي يحتذى به في دول الجوار. 

 ثالثا: لا يجب أن يتصور الإسلاميون أن برامجهم فقط هي التي ستحقق مصالح مصر والمصريين. فقبول العمل السياسي العام في أيامنا معناه أن الجميع يتنافسون من أجل تحقيق المصلحة العامة للمصريين، على اختلاف مرجعياتهم الفكرية والسياسية. والتنافس يعني أن هناك تعددا في الرؤى والبرامج والوسائل، وأن الحقيقة المطلقة لا يمتلكها أي تيار بما في ذلك التيار الإسلامي. والمعيار الحاكم في المستقبل هو مدى واقعية برامج الإسلاميين، وغير الإسلاميين، ومدى قدرتها فعلا على تحقيق المصلحة العامة، والممارسة وحدها هي التي ستحكم بين هذه البرامج. على الإسلاميين الإنفتاح على الجميع والتواصل معهم وبناء جسور من الثقة والتعاون والدخول في تحالفات وإئتلافات على أرضية واحدة مشتركة هي المصلحة العامة لمصر والمصريين.

 رابعا: برامج الأحزاب الإسلامية برامج بشرية تعكس فهْم قطاع من المسلمين لمرجعيتهم الإسلامية ولا تعني الإسلام ذاته، وبالتالي لا يجب أن يتصور أي فريق إسلامي أنه يقدم لمصر الإسلام في شكل برامج سياسية، وإنما هو يقدم لهم برامج سياسية مستمدة من فهم هذا الفريق للقرآن والسنة. ولهذا تتعدد الأحزاب داخل التيار الإسلامي ذاته.

 خامسا: كما لا يجب تصور أن مواقف النشطاء الإسلاميين هي المواقف الصحيحة على طول الخط. فهناك حركات سياسية محسوبة على التيار الإسلامي فشلت خارج مصر، كما أن تحركات بعض الإسلاميين في مصر شابها الكثير من أوجه القصور والخطأ قبل وبعد ثورة 25 يناير. وسبل النجاح في العمل السياسي تتطلب دوما القراءة الصحيحة للواقع، إعلاء المصلحة الوطنية الجامعة، الرجوع إلى الخبراء والمستشارين، والإستماع إلى النقد بل وممارسة النقد الذاتي.

 سادسا: مجالات العمل العام وخدمة المصلحة العامة في مصر بعد الثورة لا تنحصر في المجال السياسي فقط. فبعد أن انكسرت القيود، فتحت الأبواب أمام كل أوجه العمل الخيري والدعوي والمجتمعي بشكل عام. ولهذا أتصور أن الباب لابد أن يفتح لمبادرات وتحركات وطنية يشرف عليها هذا التيار بمفرده أو بالتعاون مع غيره من التيارات ومن رجال أعمال شرفاء ومؤسسسات الدولة وغيرها. وللحديث بقية.

 

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

انتخابات ما بعد الثورة (5) قراءة سريعة في النتائج

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة، 4 ديسمبر 2011.

حصول حزب الحرية والعدالة على أكبر حصة في المرحلة الأولى يحتم على قياداته الإنفتاح على كافة القوى السياسية، والعمل معهم على أن يكون هذا البرلمان برلمان الثورة المصرية. أجندة الحزب وبقية القوى الرئيسة في البرلمان لابد أن تبدأ من مطالب الثورة وهموم الناس وتنتهي عندهم. وأي إتئلاف حكومي سيتشكل بعد الانتخابات لابد أن يتضمن كافة القوى الرئيسة في البرلمان. في أول انتخابات برلمانية في جنوب افريقيا بعد القضاء على العنصرية اشترط القانون أن تكون أول حكومة حكومة وحدة وطنية تضم كافة القوى الرئيسة في البرلمان. أعتقد أننا نحتاج مثل هذا النوع من الحكومات فالحمل كبير ولا وقت للدخول في صراعات تحت قبة البرلمان. 

حصول حزب النور على المركز الثاني يضع أمامه الكثير من الواجبات، أولها أن تكون أجندة نوابه داخل المجلس أجندة مصرية بامتياز، لا مكان للحديث فيها عن القضايا الكبرى الخلافية. الوقت الآن وقت القضايا التي تهم المصريين في حياتهم اليومية. والإصلاح لن يأتي دفعة واحدة، ولن يتقدم الإصلاح خطوة واحدة لو تصور البعض أن تحقيق الغايات البعيدة مقدم على معالجة مشكلات الصحة والتعليم والمرور ومواجهة الفقر وجمع القمامة. ولن تحل هذه المشكلات بشعارات كبرى وإنما ببرامج عمل تفصيلية واقعية.

نتائج الشباب تدفعنا جميعا إلى ضرورة مساعدة كل شاب مرشح في المرحلتين الثانية والثالثة. وعلى البرلمان الجديد العمل جديا على أن يتضمن الدستور القادم وكافة القوانين المنظمة للعمل السياسي محفزات لتشجيع تمثيل الشباب داخل كافة مؤسسات العمل العام. هنا لابد من التفكير في تحديد نسب معينة للشباب في الهيئات العامة القيادية للأحزاب والنقابات وفي قوائم الأحزاب في الانتخابات. ونفس الشيء بالنسبة للمرأة، تمكينها يحتاج إلى محفزات قانونية ومؤسساتية أيضا.

وعي الجماهير: أظهرت الانتخابات قدرا من الوعي لدى الناخب ترجم في نسبة مشاركة عالية. لكن الواقع أن عملية الاختيار الصحيح تحتاج إلى قدر أكبر من الوعي. على المواطن أن يكون قادرا على التعرف على المرشحين وآرائهم وعلى قراءة البرامج الحزبية والمقارنة بينها. ولا يجب أن يكون دافع المشاركة تجنب الغرامة المرتفعة للمتخلفين. هذا الأمر يحتاج إلى برامج تثقيف مكثفة تتولاها هيئة وطنية عامة للتعليم المدني تعمل بشكل محايد وعلمي من أجل تعزيز ثقافة المشاركة والعمل العام، وعلى أن تتبع البرلمان مباشرة ولا تكون خاضعة لسلطان السلطة التنفيذية.

الأخطاء الإجرائية والإدارية التي شهدناها تحتم علينا العمل جديا على إنشاء هيئة مستقلة دائمة للانتخابات يكون للشباب فيها الدور الأكبر، لتشرف على كافة الانتخابات في مصر بدءًا من الانتخابات الداخلية داخل الأحزاب والنقابات والأندية الاجتماعية، مرورًا بانتخابات المحليات والبرلمان، وانتهاءً برئاسة الجمهورية. هذه الهيئة الدائمة لابد أن تعمل مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية وعن وزارة الداخلية على وجه الخصوص، على أن تخصص لها مخصصات مالية من ميزانية الدولة وتخضع لمراقبة البرلمان فقط. سبق وكتبت عن ضرورة وجود هذه الهيئة وأن تكون سلطة مستقلة رابعة كما الحال في بعض دول أمريكا اللاتينية. وللحديث بقية.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

انتخابات ما بعد الثورة (4) المخاوف من الإسلاميين

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 

أخبار الحياة، 3 ديسمبر 2011.

أسباب المخاوف التي عبر عنها البعض من نتائج الجولة الأولى للانتخابات مختلفة، وعلى العقلاء داخل التيار الإسلامي وخارجه التدبر فيها جيدا والعمل على معالجتها بهدوء وحكمة. فيما يلي بعض الأسباب والأفكار:

سبب أول: الخطاب الملتبس لبعض قادة هذا التيار الواسع. فبينما يحرص البعض على الخطاب التوافقي التطميني، ينزلق البعض الآخر إلى التحدث عن قضايا كبرى أو خلافية بين الحين والآخر. مصر تعاني من مشكلات في الصرف الصحي وجمع القمامة وتنظيم المرور والفقر والبطالة وتدهور الصحة والتعليم وارتفاع الدين الداخلي والخارجي وانهيار الأخلاق، ناهيك عن استهداف قوى إقليمية ودولية لمصر، ومن هنا فالسياسة والحكمة وأولويات المرحلة واحتياجات الناس تقضي جميعها بأن يتوقف الخطاب السياسي الإسلامي عن إثارة أي قضايا خلافية الآن والتفرغ نهائيا لمعالجة هذه المشكلات.

سبب ثان: بعض النماذج الفاشلة للإسلاميين في دول مثل السودان والجزائر وأفغانستان وباكستان تدفع الكثيرين إلى التشكك في قدرة إسلاميي مصر على وضع برامج إصلاحية حقيقية والإبتعاد على سياسة إقصاء الآخر. مواجهة هذه الإشكالية تتطلب قيام التيار الإسلامي بأخذ زمام المبادرة ويتقرب هو من الآخر، ويحدد مواقفه بشكل واضح لصالح الدولة الديمقراطية بمبادئها المتعارف عليها التي لا مكان فيها للإقصاء ولا للإنفراد بعملية صنع القوانين. والبرامج السياسية لابد أن تبدأ الآن من مطالب الثورة ومشكلات المجتمع وتنتهي عندها.

سبب ثالث ومهم: الخوف من انفراد الإسلاميين بوضع الدستور وفرض مواد دستورية بدون التوافق مع الآخرين في البرلمان. الحل هو في التأكيد على أن الدستور لا يوضع بالأغلبية في البرلمان وإنما بالتوافق بين جميع القوى السياسية والمجتمعية، والتأكيد أيضا على التوافق مع بقية القوى السياسية على معايير عامة لاختيار أعضاء لجنة وضع الدستور بما يحقق التمثيل المنصف ويطمئن كافة القوى السياسية بلا إستثناء.

سبب رابع: غياب التوافق الوطني العام بين قوى الثورة والوقوع في الفخاخ التي تقوم بها جهات داخلية وخارجية وإعلامية بغرض زرع استقطاب سياسي وإيديولوجي بين القوى السياسية الإسلامية والليبرالية واليسارية لاجهاض الثورة بالتدريج. لمعالجة هذا الأمر يجب أن تعاود القوى الإسلامية الإلتحام بقوى الثورة والتوافق معهم على مطالب موحدة ومسار واحد لما تبقى في المرحلة الإنتقالية. هناك خطر حقيقي من تباعد القوى السياسية عن بعضها البعض وتصور البعض أن الانتخابات فقط كفيلة بخلق مؤسسات شرعية شعبية وتحقيق الإستقرار السياسي.

الثورة غيرت الكثير من الأمور وكسرت حاجز الخوف لدى الجميع، والحالة الثورية في الميادين لازالت حية، والقدرة على الحشد مرتفعة، وأي أخطاء من الإسلاميين ستتبعها تعبئة في الميادين من أطراف مختلفة، فاستمرار حالة عدم الإستقرار السياسي وتعميق حالة الإنقسام، فإجهاض الثورة لا قدر الله. هذا خطر حقيقي لا يجب الإستهانة به. والله أعلم.          

 http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

انتخابات ما بعد الثورة (3) شعب الميادين والصناديق

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 1 ديسمبر 2011 

ربما من الأمور المهمة التي كشفت عنها المرحلة الأولى لانتخابات 2011/2012 هي أن الشعب أوعى بكثير من النخب السياسية. فبرغم الثغرات التي شابت مسار المرحلة الإنتقالية منذ بدايته وبرغم تغذية الكثير من النخب، من كافة التيارات، للإنقسامات السياسية والإستقطابات الايديولوجية، إلا أن الشعب، متى اتيحت له الفرصة للتعبير عن رأيه، فإنه يمارس حقه بشكل مسؤول، وينتج عن مشاركته الكثير من الإيجابيات.

عندما نزلت الجماهير إلى الشارع في 25 يناير، تبدل وجه مصر وتغير نظامها السياسي وسقط رأس النظام الذي ناضلت نخب كثيرة من أجل دفعه للإصلاح، في وقت كثرت فيه نظريات موت الشعب المصري. وعندما ضغطت الجماهير في مليونيات حاشدة في الشهور التالية للثورة تحققت الكثير من الأهداف الأخرى كإسقاط حكومة شرف ومحاكمة رموز النظام وغيرها.

وعندما انفلتت الأوضاع الأمنية خلال الثورة، نجحت الجماهير في حماية مجتمعها من خلال ما عرف باللجان الشعبية، وفي حماية الأقباط والكنائس والممتلكات في مشاهد انبهر بها العالم كله.

وعندما اتيحت الفرصة للجماهير للذهاب إلى صناديق الإستفتاء، شهدنا إقبالا كبيرا ما أفسده إلا دخول بعض النخب لربط اختيارات الناس بمواقف دينية معينة. وعندما اتيحت للجماهير فرصة التصويت في أول انتخابات برلمانية حقيقية، مرت المرحلة الأولى بشكل حضاري: نسبة مرتفعة للمشاركة، ونسب منخفضة للتجاوزات التي كانت شائعة في العهد البائد.        

الأمور المتصلة بالنخب لا تسير على هذا النحو، فبمجرد انتصار الثوار وإسقاط الرئيس السابق، انقسمت النخب حول الكثير من الأمور بدءا من الإستفتاء وانتهاءً بالدستور. النخب لاتقرأ الواقع بشكل صحيح، وتنظر تحت أقدامها في كثير من الحالات، وتعلي مصالح ضيقة على المصالح الوطنية الجامعة، وتتكالب دوما على مغانم معركة لم تنته بعد.   

الناس من خلال الميادين وعن طريق الصناديق تصحح مسار الثورة في مصر، بالإصرار على الإستمرار في الضغط الشعبي حتى تسلم السلطة إلى المدنيين، وبالإقبال الكثيف على التصويت حتى تظهر سلطة بشرعية شعبية وسلطة مدنية. لكن هناك من النخب من يلوث تحركات الشعوب باتخاذ قرارات اقصائية أو استعلائية أو بالترويج لروايات غير سليمة للأحداث..        

ولأن المكاسب التي تحققها الجماهير تذهب في النهاية إلى نخب سياسية داخل المؤسسات السياسية، فإنه من الواجب أن ترتقي هذه النخب إلى مستوى المسؤولية التاريخية وإلى حجم المسؤولية التي فرضتها الجماهير، إنْ في الميادين أو عبر الصناديق، وتعمل على تحقيق مطالب الثورة وبناء دولة المؤسسات التي يحكمها القانون ويتم فيها اختيار المسؤولين على أساس عنصري الكفاءة والأمانة.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

انتخابات ما بعد الثورة (2)

د/ عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 30 نوفمبر 2011

مر اليوم الأول للمرحلة الأولى من انتخابات البرلمان بسلام حتى الآن، وشهد هذا اليوم الكثير من الإيجابيات والكثير من السلبيات أيضا. سنرصد اليوم عددا من الإيجابيات على أن نكتب غدا عن السلبيات.

أول إيجابية هو الإقبال الكثيف على المشاركة، الأغلبية الصامتة خرجت عن صمتها بشكل متحضر لأول مرة في تاريخ مصر الحديث. وهذا الإقبال المكثف مؤشر لعدد من الأمور الإيجابية.

فالشعب المصري أثبت أنه يتمتع بقدر عال من الوعي والنضج، على عكس ما هو شائع وعلى عكس ما كان متوقعا. لقد اعتبر الشعب أن الانتخابات الأولى بعد الثورة هي الفرصة التاريخية الأولى للمشاركة في صنع مستقبله والحفاظ على مكاسبه من ثورة 25 يناير. لم تضع هذه الجماهير الغفيرة مسألة الانفلات الأمنى في الحسبان ولا نظريات المنظرين عن عدم جاهزية الشعب للديمقراطية، وراحت لصناديق الانتخابات بشكل متحضر وكأنها تمارس هذه العملية منذ عقود. الموجة الثانية للثورة في ميادين مصر لم تمنعه من الذهاب للصناديق، فالنضال من أجل الحرية له ميادين كثيرة والانتخابات واحدة فقط من هذه الميادين.

الجماهير التي شاهدناها على شاشات التليفزيون جماهير متنوعة، من الطبقة الوسطى ومن الفقراء ومن الطبقة العليا، مسلمين ومسيحيين، كبار وشباب، نساء ورجال، ومن كافة فئات المجتمع وطبقاته. هذا التنوع سينعكس بالطبع على تركيبة البرلمان الذي من المتوقع أن يكون أكثر تنوعا وأكثر تمثيلا للمجتمع.

هذه الجماهير أثبتت أنها أكثر انضباطا من القوى السياسية. استطاعت الجماهير أن تنظم نفسها على عكس ما كان متوقعا جراء الانقسامات السياسية الحادة بين القوى السياسية. واستطاعت قوات الأمن والجيش تأمين العملية الانتخابية دون تدخل كما يتم في كل الدول الديمقراطية. كان التدخل في السابق يتم بقرار سياسي من النظام البائد، أما اليوم فبمجرد رفع الوصاية عن الشعب، مارس الناخبون حقوقهم الانتخابية بحرية، ومارست قوات الشرطة (بمساعدة الجيش) مهامهم الأساسية في الحفاظ على أمن اللجان من الخارج.

 والأهم من كل هذا أن الجماهير أثبتت أن إعادة الثقة بين الناس وبين السياسة ممكن. وقد أخذت الجماهير المبادرة بنفسها وأظهرت فخرها واعتزازها بممارسة حقوقها السياسية لأول مرة بعد عقود من القمع والإستبداد. شاهدنا جميعا سعادة الناخبين واعتزازهم وإصرارهم على المشاركة في صفوف طويلة لم نعتد عليها سابقا لا في الانتخابات ولا في غيرها، وفي ظل ظروف مناخية غير مواتية.

وأخيرا لم يسجل اليوم الأول حالات إبعاد للمراقبين والمندوبين. كما لم يشهد حالات عنف انتخابي ولا حالات حشد للناخبين إلا بشكل محدود..  كما تراجع المال السياسي بشكل كبير..

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

انتخابات ما بعد الثورة (1)

د. عبدالفتاح ماضي  - أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 29 نوفمبر 2011

 الانتخابات الحقيقية صارت تسمى في أدبيات السياسة "الانتخابات الديمقراطية" تأكيدا ضرورة توفر عدة معايير، أهمها فعالية الانتخابات، أي قيامها بعدد من الوظائف، أي أن الانتخابات ليست هدفًا في حد ذاتها كما هي الحال في الكثير من دول العالم الثالث.

الانتخابات الديمقراطية ليست مجرد عملية اختيار النواب في البرلمانات أو تنافس الوصوليين وطالبي الشهرة على مقاعد البرلمان، كما أنها ليست عملية اختيار نواب يقدمون الخدمات للجماهير.

الانتخابات الديمقراطية لها وظائف أسمى من هذه الأمور، أعتقد أنها تحتاج إلى ممارسات متكررة حتى تتحقق في مصر. وعن طريق هذه الوظائف أو المقاصد يمكن التمييز بين أنظمة الحكم الديمقراطية وغيرها من أنظمة الحكم الأخرى. أول هذه الوظائف انتقال الصراع السياسي والتدافع من الشارع إلى صناديق الإقتراع، فهي وسيلة سلمية لإدارة الصراعات السياسية وحسم التنافس بين الفرقاء السياسيين بطرق غير عنيفة. أي بدلا من تسوية الصراعات السياسية بين الفرقاء السياسيين بالعنف والقوة، جاء التنافس الحر والسلمي عبر صناديق الإنتخابات كأداة سلمية لتسوية تلك الصراعات.

والانتخابات تتيح الفرصة للناخبين لاختيار حكامهم وممثليهم في مؤسسات الحكم. أي بدلا من سيادة فرد أو قلة على السلطة بالغلبة أو الانتخابات المزورة، تأتي الانتخابات الديمقراطية لتعبر عن مبدأ الشعب كمصدر للسلطة (أو السيادة الشعبية). فصندوق الانتخابات هو مَنْ يُحدد مَنْ هم في السلطة ومَنْ هم في خارجها. وكبديل للطرق العنيفة للوصول إلى السلطة كالإنقلابات والثورات، وكبديل للإنفراد بعملية اختيار الحكام من قبل فرد واحد أو مجموعة محدودة من الأفراد كالإستخلاف والتعيين والتوريث، تأتي الانتخابات كطريق سلمي بديل يتمتع بقدر أكبر من الشورى والمشاركة الشعبية وتكفل حدًا أدنى من التنافس وتكافؤ الفرص بين الراغبين في - والقادرين على- خوض غمار العمل السياسي.

والانتخابات أيضا آلية يتم من خلالها التداول السلمي على السلطة، وهي وسيلة للحصول على الشرعية أو تجديد شرعية من في الحكم، حيث يصل إلى مواقع صنع القرار أولئك الذين يحظون برضا الناخبين، حيث تستند الشرعية في النظم الديمقراطية إلى أن الحكومة تعمل في إطار المبادئ الديمقراطية وتخضع لإرادة الشعب من خلال آلية الانتخابات التنافسية والدورية. والانتخابات آلية لمحاسبة الحكام والتأكد من أن الحكومة المنتخبة تستجيب بانتظام لمطالب الناخبين وترعى مصالحهم المختلفة.

لا أعتقد أن الانتخابات القادمة ستحقق كل هذه الوظائف، فهي تتم في ظل ثلاثة أوضاع غير مواتية: موجة احتجاجات قوية في الميادين، ونظام انتخابي به الكثير من الثغرات، والأخطر من كل هذا هي أنها تتم في ظل استقطاب سياسي حاد بين القوى السياسية. تتطلب الانتخابات الديمقراطية في واقع الأمر عكس كل ما هو موجود في مصر اليوم، تتطلب: حدا أدنى من التوافق بين القوى السياسية الرئيسة، نظاما انتخابيا به أكبر قدر من الإنصاف، وحالة أمنية مواتية. برغم كل هذا، أتمنى أن تكون هذه الانتخابات خطوة أولى نحو الطريق الصحيح، وأتمنى أن ترتفع النخب والقوى السياسة إلى حجم المسؤولية التاريخية التي تمر بها البلاد. وللحديث بقية.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

حكومة ما بعد الانتخابات

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 28 نوفمبر 2011

تصريحات اللواء شاهين بالأمس ليست جديدة، والمشكلة الأساسية كانت في الإعلان الدستوري، ثم في غفلة النخب.

لقد كتبت في مايو الماضي أن هناك خللا في الإعلان الدستوري لم يلتف إليه أحد يتعلق بعلاقة البرلمان المنتخب والحكومة بعد الانتخابات، وهو أن الحكومة القادمة لن تكون حكومة منتخبة ولن يشكلها حزب (أو أحزاب) الأغلبية في البرلمان، أي لن تكون إسلامية أو ليبرالية أو يسارية، كما لن تكون مسؤولة سياسيا أمام البرلمان ولا يمكن للبرلمان حق طرح الثقة بها كما يأمل البعض.

 فبرغم أن الإعلان الدستوري به 63 مادة (أي نحو ربع عدد مواد دستور1971)، فإن واضعوه تجاهلوا بعض المواد الضرورية لتشكيل الحكومة. فبينما يمنح الإعلان للمجلس العسكري سلطة "تعيين رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم" (مادة56/4)، فإنه لم يشترط أن يكون رئيس الوزراء المكلف هو رئيس حزب الأغلبية بمجلس الشعب أو زعيم إئتلاف عدد من الأحزاب تمتلك، مجتمعة، أكثر من نصف عدد المقاعد. والإعلان يتفق هنا مع دستور1971. ولهذا فخريطة القوى السياسية التي ستفرزها الانتخابات لن تؤثر على خيارات المجلس العسكري في تشكيل الحكومة إلا إذإ نجحت الضغوط الحالية في تعديل الإعلان الدستوري.

 ولهذا فلا منطق لتصور البعض أن الحكومة القادمة ستكون إسلامية، ولا منطق لحديث قوى سياسية عن إستعدادها للدخول في إئتلاف حكومي، فنظريا قد لا يدعو المجلس العسكري أيا من هذه القوى للمشاركة في الحكومة، ولو حدث فستكون الدعوة لبعض الرموز المحسوبة على تيارات معينة كما حدث مع حكومتي شفيق وشرف. ولو حدث أن كُلف أحد الإسلاميين بتشكيل الحكومة فلن يكون بمقدور البرلمان أن يراقب حكومته.

والسبب هو أن المجلس لم يرغب في تغيير طبيعة النظام الذي جاء في دستور 1971 الذي هو أقرب إلى النظام الرئاسي الذي يسند السلطة التنفيذية إلى شخص واحد هو الرئيس (وهو المجلس العسكري في مصر الآن) الذي له حق تعيين مساعدين وليس وزراء. ولا شك أن هذا لا ينسجم مع مطالب الثورة ولا طموحات قواها السياسية.

 ويترتب على ما سبق أمر آخر هو أن الحكومة القادمة لن تحتاج إلى أي دعم من البرلمان؛ وذلك برغم أن المادة 33 من الإعلان نصت على أن من ضمن إختصاصات مجلس الشعب ممارسة "الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية". هذه الرقابة لن تكون لها أي مضمون حقيقي في الواقع لأن الإعلان تجاهل (برغم احتوائه على 63 مادة) المواد من 124-131 التي كانت بدستور1971، والخاصة بحق مجلس الشعب في توجيه الأسئلة والإستجوابات للوزراء، وحق المجلس في طرح الثقة بالوزارة كلها أو بأحد الوزراء. وهذا خلل جوهري في سلطة المجلس النيابي في مراقبة عمل الوزراء ومحاسبتهم.

 هذه الأمر ليس باليسير بالنظر إلى أن الحكومة القادمة ستواجه عددا من الاستحقاقات الأساسية، منها تشكيل اللجنة التأسيسية التي ستضع الدستور، والإشراف على الإستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية، وملف الأمن، بجانب إشرافها على السياسة العامة للدولة. والأهم من هذا كله أن الناس تنتظر الحكومة المنتخبة بعد الانتخابات، وتتصور أنها ستكون قادرة على التصدي للقضايا الاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها.

 بالطبع يمكن استدراك هذا المأزق بإدخال تعديلين على الإعلان الدستوري (بعد التوافق الحقيقي مع القوى السياسية) أولها يلزم المجلس العسكري بتكليف زعيم حزب الأغلبية، أو زعيم إئتلاف أحزاب الأغلبية، بتشكيل الحكومة وضرورة حصول الحكومة المكلفة على ثقة البرلمان. وإضافة المواد من 124-131 من دستور1971 للإعلان الدستوري حتى يمكن للبرلمان من استخدام أدوات مراقبة الحكومة والأجهزة الإدارية والتنفيذية.

 وثانيهما إضافة ترتيبات أخرى لدفع الأحزاب إلى التوافق وضمان ظهور حكومة إئتلافية قوية ومنع ابتزاز الأحزاب الصغيرة وقت تشكيل الحكومة، كأن يشترط أن يكون للحزب 5 بالمائة من المقاعد حتى يمكن أن يشترك في الإئتلاف الحكومي (نحو 25مقعدا)، كما حدث في جنوب افريقيا في أول حكومة وحدة وطنية بعد أول انتخابات ديمقراطية عام 1994. أو يمكن اشتراط أن يكون هناك بديل حكومي جاهز من قبل المعارضة قبل سحب الثقة من الحكومة. بل ولضمان توافق الأحزاب والنخب في المرحلة الانتقالية وقطع الطريق على إنفراد تيار واحد، يمكن التوافق حول إشتراط أن تكون الحكومة القادمة فقط حكومة وحدة وطنية تضم كافة الأحزاب الرئيسية في البلاد. وهذا يتماشى مع ما تنادي به بعض القوى من أنها لا ترغب في الانفراد بتشكيل الحكومة بمفردها.

 وبرغم كل هذا علينا جميعا الذهاب إلى الانتخابات، كما علينا أن نستمر في الضغط الشعبي في الميادين.  

 http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 الانقسام السياسي الراهن أخطر من الثورة المضادة

د/ عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 27 نوفمبر 2011

معادلة التغيير السياسي الناجح التي جُربت تاريخيا في عشرات الحالات (والتي يجب الآن أن تفهمها النخب والقوى السياسية جيدا لمعالجة مسألة الإنقسام السياسي) سارت على النحو التالي: (1) التكتل الوطني حول هدف وطني جامع، (2) ثورة أو تحرك شعبي ضاغط لتحقيق الهدف، (3) إسقاط النظام القديم ونجاح الثوار أو استجابة الحكام القدامي وانتصار الإصلاحيين، (4) توافق قوى الثورة (أو الإصلاح) والنخب السياسية والعقلاء في كل طرف على معالم المرحلة الانتقالية ومعالم النظام الديمقراطي المنشود من خلال التشاور والمشاركة الحقيقية في وضع القوانين والإجراءات اللازمة للنظام الجديد وتحديد كل ما يلزم للانتقال كالجدول الزمني ومراحل الانتقال.. (5) إجراء الانتخابات المتفق عليها (برلمانية كانت أو رئاسية أو الإثنين) وتنافس القوى والأحزاب السياسية على مقاعد الحكم. حدث هذا في كثير من دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وبنين والسنيغال وجنوب كوريا وإسبانيا وغيرها، وفي تونس أيضا..

التنافس السياسي والاحتكام للشعب عبر صناديق الانتخابات هي المرحلة الأخيرة، وتأتي بعد التوافق وبعد تحديد معالم الطريق وقوانينه بالتوافق (الذي يعني رضا أغلبية القوى السياسية وليس كلها). أما خطورة اللجوء للشعب قبل التوافق فتأتي من أن الإحتكام إلى الشعب قبل التوافق ينقل خلافات النخب والأحزاب إلى الشارع، ويزرع مزيدا من الانقسام والاستقطاب الحاد، يصعب معالجته. ولا يجب – كما يظن البعض – الاحتكام للشعب لحل خلافات النخب. هذا أمر خطير، فمادامت النخب منقسمة، فلن تصلح صناديق الانتخابات ما أفسدته النخب والأحزاب. والأخطر هو أن الإنقسام سيؤثر بالسلب على البرلمان الذي سيأتي متشرذما وعلى نوعية النظام السياسي الذي سيتشكل بعد الانتخابات.. وكان لابد من أن تحتوي القوانين على حوافز وآليات للتوافق قبل الانتخابات وحوافز وآليات للتوافق داخل البرلمان.. وهذا لم يتم عندنا لانشغالنا بقضايا شتى.. ولهذا عارضت منذ فبراير الماضي اللجوء إلى آلية الإستفتاء بعد أسابيع من سقوط رأس النظام، وناديت بتوافق القوى الرئيسة (ولم يكن عددها كبيرا كما اليوم) أولا على المعالم والقوانين قبل إدخال الشعب في المعادلة..

ماتم عندنا وأوصلنا إلى ما نحن فيه هو أن معادلة التغيير مرت بشكل مرتبك: تكتل الجماهير- ثورة- إسقاط النظام القديم- إستفتاء شعبي متسرع بدون توافق وطني وبدون جدول زمني واضح ونهائي- تحديد موعد للانتخابات دون تشاور وحوار حقيقي حول القوانين والإجراءات المنظمة (كل هذه القوانين والإجراءات بها ثغرات بجانب مسألة الفلول وعدم التركيز على قضية الانتقال) - تنافس النخب وتكالب الأحزاب على غنائم معركة لم تنته بعد وإبتلاء الكثيرين من السياسيين بجرثومة أن ما لانحصل عليه الآن لن نحصل عليه أبدا. بجانب تصور بعض الإسلاميين أن مصر على موعد مع أتاتورك جديد سيقضي على الإسلام.. وتصور بعض الليبراليين واليساريين أن الإسلاميين سيقيمون دولة ثيوقراطية.. واستمرار تخبط وتباطؤ المجلس العسكري بشأن الجدول الزمني وفي مسائل الأمن والإقتصاد والطائفية، ثم وصل الأمر إلى اقتراح استفتاء جديد على بقاء العسكر!

وبرغم هذا لا يمكن قلب الطاولة في اللحظة الأخيرة، ولهذا أطلب من القراء الكرام الذهاب بكثافة إلى صناديق الإنتخاب غدا والتصويت لمن يعتقدون أنه المناسب لتمثيلهم في البرلمان القادم. وربنا يستر ويتمكن البرلمان القادم من إصلاح ما يمكن إصلاحه.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

ليست مسألة أسماء

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 26 نوفمبر 2011

برغم أن الدكتور كمال الجنزوري يتمتع بقدر من التعاطف من رجل الشارع العادي بعد خروجه المبكر من رئاسة الوزراء وارتباط اسمه بمشاريع كبرى كشرق العوينات وتوشكي، لكن الرجل عنده عدة مشكلات أولها أنه في العقد الثامن من عمره، بجانب أنه كان عضوا في الحزب الوطني، وقضى معظم سنوات خبرته مع الرئيس المخلوع، وأثناء رئاسته للوزراة ركّز السلطة في يده وجمع عدة وزارات ومناصب داخل وخارج الوزارة، وكان زميلا لعدد من الوزراء السابقين هم الآن نزلاء السجن لسوء سمعتهم واتهامهم في قضايا فساد بعد الثورة، وعلاقته بالصحافة ليست جيدة ولم يكن يتقبل نقدها. والأهم من كل هذا أنه لم يُعرف عنه يوما أنه أيد أو تعاطف مع مطلب واحد من مطالب المعارضة المصرية المشروعة قبل يوم 25 يناير.

المسألة ليست مسألة أسماء وإنما مسألة صلاحيات، وهناك أسماء كثيرة في مصر تصلح للمنصب السياسي. مصر تحتاج في الوقت الراهن حكومة إنقاذ وطني لها ثلاث مواصفات أساسية:

الصلاحيات: تفويض كافة صلاحيات السلطة التنفيذية لها بحيث لا تخضع الحكومة لسلطة المجلس العسكري في اختيار الوزاراء وفي رسم السياسات واتخاذ القرارت، وعلى أن يقتصر دور المجلس العسكري على الشؤون الأمنية والدفاعية وإصدار المراسيم التي تضعها الحكومة بالتوافق مع القوى السياسية. 

التشكيل والتمثيل: خلو الحكومة من الشخصيات التي انتمت إلى الحزب الوطني وتقلدت مناصب قيادية في النظام البائد، واحتوائها على شخصيات لها علاقة بالثورة وتمثل التيارات الرئيسة في البلاد، بحيث لا يصدر قرار أو سياسة (ولا سما تلك التي تتصل بالمسار السياسي والانتقال إلى الديمقراطية) دون مشاركة حقيقية وتوافق من كافة هذه التيارات داخل الحكومة ذاتها حتى يمكن تلافي نقل اختلافات القوى والنخب السياسية إلى الشارع كما كان الأمر من فبراير إلى نوفمبر.

الخطاب السياسي والإعلامي: تمتلك الحكومة خطابا سياسيا وإعلاميا يتسم بالصراحة والشفافية الكاملة وبالتواصل المستمر والفعال مع الجماهير في التعامل مع القضايا التي تخص الجماهير ولاسيما قضايا الانتقال الديمقراطي والاقتصاد، بحيث تكون قادرة على توضيح ما سيتم إنجازه فورا من مطالب، وما يحتاج إلى بعض الوقت مع توضيح المراحل والمبررات، وما سيتم تأجيله مع توضيح الأسباب والبدائل. 

الأمر كله في يد المجلس العسكري الذي يمتلك السلطة، ويقيني أنه لن يتنازل ويلبي هذا المطلب بدون ضغط شعبي قوي، فقد أثبتت الشهور العشرة الماضية على أنه لا يمتلك لا الرؤية ولا الإرداة اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية بشكل يلبي مطالب الثورة. إننا أمام موجة ثانية من ثورة شعب يريد الحرية والديمقراطية، وإرداة الشعوب لا تنهزم مهما كانت العقبات، إنها مسألة وقت.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

خطاب المشير وتأزيم الموقف

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 25 نوفمبر 2011

للأسف الشديد لن يعالج خطاب المشير الموجة الثانية للثورة المصرية. فبالإضافة إلى تأخره في الرد لعدة أيام، فإن معظم ما جاء في البيان جاء ناقصا، فالأسف لم يقترن بإعتذار يستحقه الشهداء وذويهم والجرحى وكل المصريين اللذين رأوا لأول مرة في تاريخهم جثثا لمصريين في أماكن القمامة. وتحديد موعد انتخابات الرئاسة تم مده ليونيو بدلا من أبريل كما تنادي كل القوى السياسية.

أما تواريخ اختيار اللجنة التأسيسية ووضع الدستور فهي عجيبة، فلم يتم التشاور في شأنها بشكل أوسع، كما أن الجدول الزمني وضع بشكل مضغوط جدا ولم يقل البيان لنا ماذا سيحدث لو لم تتمكن اللجنة من الانتهاء من عملها؟ وهل ستتأجل انتخابات الرئاسة إذا لم تنته اللجنة من عملها؟ هذه كلها ثغرات قد تؤدي، لا قدر الله، إلى صعوبات وكوارث في القريب العاجل، تماما كما الثغرات التي كانت في المسار الذي رسمه الإستفتاء.

التأكيد على إجراء الانتخابات البرلمانية أمر جيد، لكن ماذا عن الحالة الأمنية ولماذا يستمر ضرب المتظاهرين؟ ألا تتطلب الانتخابات توقف كل أعمال العنف من جانب الشرطة؟ وهل يتصور المشير أن الملايين من المتظاهرين سيتركون الميادين ويذهبون للجان التصويت ثم يعودون إلى التظاهر من جديد قبل أن يتوقف الضرب وتتخذ إجراءات حقيقية لمحاسبة من أمر بإطلاق النار الحي والغازات على المتظاهرين وعلى من نفذ هذه الأوامر؟  

أما موضوع الإستفتاء على رحيل أو بقاء المجلس العسكري فأمر في غاية الغرابة والخطورة، ولا أعتقد أن صاحبه يدرك أبجديات الثورات الشعبية والتحول الديمقراطي. ولأنني درست وأدرس معظم حالات الانتقال الديمقراطي في العقود الأربعة الأخيرة، فإنني أقرر أن هذه الفكرة مدمرة ولم تحدث من قبل في أعقاب الثورات الشعبية من أجل الديمقراطية.

الجيش أصلا لم يأت باستفتاء شعبي، هذا بجانب أنه في معظم حالات الانتقال الديمقراطي لايتم اللجوء إلى الشعب عبر الإستفتاءات أو الانتخابات في المراحل الأولى للانتقال وبعد شهور معدودة من انهيار النظام السابق، لا لتعديل الدستور ولا لاختبار رأيه على بقاء الجيش أو أي شيء آخر. والسبب الأساسي هو أن الشهور الأولى للتغيير هي شهور التوافق بين القوى والنخب السياسية، وبعد التوافق يمكن اللجوء إلى صناديق الانتخابات أو الإستفتاء.

والتوافق معناه رضا أغلبية القوى السياسية، أما نتيجة الإستفتاء فبالأغلبية البسيطة للشعب. وخطورة اللجوء للشعب قبل التوافق تأتي من أن الإحتكام إلى الشعب قبل التوافق ينقل إختلافات النخب إلى الشارع، مما يزرع استقطاب سياسي حاد من الصعوبة معالجته.

ولهذا عارضت منذ فبراير الماضي اللجوء إلى آلية الإستفتاء بعد أسابيع من سقوط رأس النظام، وناديت بالتوافق أولا على المعالم والقوانين ومشاركة الجميع في هذا قبل إدخال الشعب في المعادلة. لكن ماتم عندنا هو صياغة مسار بدون توافق أغلبية القوى، فالإحتكام للشعب، فتنافس الأحزاب وتكالبهم على الغنائم، مع استمرار الخلافات حول انتخابات الرئاسة والأمن والاقتصاد وغيرها من المسائل، وصولا إلى مرحلة مدمرة للثورة وهي الإستفتاء على بقاء الجيس أو رحيله!! النتيجة الطبيعة لكل هذا هو انفجار شعبي آخر، نعود له إن شاء الله.

 http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

المشير وحل الأزمة

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

 أخبار الحياة: 24 نوفمبر 2011

حسنا فعل الثوار بنزولهم إلى الشارع لإصلاح ما أفسدته النخب سواء في المجلس العسكري والحكومة أو في كافة القوى السياسية المختلفة، وحسنًا استجابت القوى والأحزاب السياسية ونزلت بالملايين في الشوارع برغم رفض بعض القوى رسميا. فهؤلاء وهؤلاء لا يعرفون للأسف إلا لغة الضغط الشعبي. لقد أثبت الشعب المصري أنه أوعى من نخبه وقواه السياسية التي ارتضت لنفسها إما النضال عبر الفضائيات أو التصارع حول غنائم معركة لم تنته أبدا.

 الآن بعد أن قامت الجماهير بدروها التاريخي، وبعد أن استجابت القوى السياسية لمطالب الشارع، فالحل – بعد قدرة الله عز وجل - في يد المشير والمجلس العسكري. على المشير والمجلس:

 أولا: إدراك أن قوة الجماهير لا توقفها أي قوة مهما بلغ عنفها، وعنف الداخلية وإسالة الدماء لن يزيد الجماهير إلا إصرارا، وستؤدي إلى تزايد سقف المطالب وتطورها إلى حد لا نعرف مداه.

 ثانيا: فهم أن ما يجري في مصر مند يناير الماضي هو ثورة شعبية لها مطلب أساسي هو إقامة نظام سياسي ديمقراطي يستند إلى دولة المؤسسات التي تحافظ على كرامة الإنسان وحرياته وقيمه وتحقق له عدالة اجتماعية حقيقية، وترسي حكم ديمقراطي حقيقي يضمن التداول على السلطة ويقضي على دولة الفساد التي أقامها الحزب الوطني المنحل. الثورات الشعبية لا توقفها أي قوة مدنية أو عسكرية مهما كان الأمر.. هذه سنة كونية لمن يقرأ التاريخ وبراقب تحرك الشعوب . وكل ما حدث منذ 18 فبراير من تباطؤ وتعطيل وحماية للفلول ما هو إلا عقبات تشهدها كل الثورات بأشكال مختلفة.

 ثالثا: الإستجابة للمطالب التي صدرت عن الميدان والتي نادى بها الكثيرون منذ شهور، فكاتب هذه السطور تحدث عن حكومة إنقاذ وطني بعد انتخابات 2010 المزورة قبل الثورة، ثم بعد أحداث ماسبيرو الإسرائيلية (الشروق في 11 أكتوبر). كما كتبت عن ضرورة إنشاء مجلس وطنى انتقالي على النمطين الليبي والسوري بعد أحداث السفارة الإسرائيلية (الشروق، 14 سبتمبر الماضي).  

ومطالب الجماهير اليوم التي على المشير والمجلس العسكري الإستجابة لها الآن قبل أن تتزايد المطالب هي: حكومة إنقاذ وطني بصلاحيات كاملة في إدارة ما تبقي من المرحلة الإنتقالية، تحديد موعد انتخابات الرئاسة بما لا يتجاوز أبريل 2012، وتطهير وزارة الداخلية واعتماد خطة سريعة لإعادة هيكلتها بالكامل، وتحويل المسؤولين عن قتل المتظاهرين إلى النيابة. لا شيء أقل من هذا.   

لايزال هناك وقت للإنقاذ وعدم التصعيد ثم إجراء الإنتخابات ووضع الدستور. إن ما يحدث حركة تصحيح حتمية لمسار ثورة حاول البعض إجهاضها وتصور أنه بالإمكان إيقافها أو تحويلها لولا وعي الشعب المصري.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

ما العمل بعد الأحداث الأخيرة؟

د. عبدالفتاح ماضي - أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 23 نوفمبر 2011

أولا: على العقلاء داخل كل تيار وحزب التوقف نهائيا عن لوم بعضهم البعض وتبادل التهم وتقديم تفسيرات متضاربة لما يحدث، فالكل أخطأ كما كتبتُ من قبل. البلاد الآن تحترق من العريش حتى الصعيد، وشباب مصر يتلقون الرصاص الحي في صدورهم وقوات الأمن ترد بشكل يراه الكثيرون أنه رد انتقامي على الثوار، بينما ينفي مجلس الوزراء استخدام العنف ضد المتظاهرين!

ثانيا: على الدكتور شرف وكل الوزراء الآخرين إمتلاك شجاعة وزير الثقافة الدكتور عماد أبوغازي، ويعلنوا مسؤوليتهم ويعتذروا عن ما حدث ويتركوا مكانهم لمن هم أقدر على إدارة البلاد. فالحكومة فشلت منذ البداية في معظم المسائل التي تعاملت معها. وأتصور أن الفريق السياسي في مجلس الوزراء هو الذي يجب أن يتغير في المقام الأول.  

ثانيا: على المجلس العسكري الإعتراف أيضا بفشل إدارته للمرحلة الانتقالية والتي أدت إلى ما وصلنا إليه ويمتلك شجاعة وأمانة الإعتذار وتسليم السلطة لحكومة انقاذ وطني بصلاحيات كاملة، على أن تشكل من شخصيات عامة ونشطاء سياسيين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة ومن كافة التيارات السياسية الرئيسة، وتكون مهمتها إدارة ما تبقى من المرحلة الإنتقالية والإشراف على الانتخابات وعلى تشكيل اللجنة التأسيسية التي ستضع الدستور.

ثالثا: على كافة القوى السياسية وعلى رأسها الإخوان المسلمون والأحزاب السلفية التحرك فورا والإنضمام بكامل قوتهم للمتظاهرين في ميدان التحرير وفي غيرها من ميادين مصر ضد الهجمة الهمجية لقوات الداخلية والشرطة العسكرية. لا يجب أبدا التحدث الآن عن سبب ما حدث وإلقاء اللوم على الآخرين والاستمرار في الحملات الانتخابية بينما العشرات يسقطون بالنار الحي. الوقت الآن وقت العمل على معالجة الأمر وتمهيد الطريق لوجود مؤسسات منتخبة: برلمان وحكومة ورئيس منتخب.

رابعا: على الأطباء في كل المحافظات التقدم للمساعدة في كل الميادين لمعالجة الجرحى والمصابين، وعلى اللجان الشعبية التشكل من جديد لحماية الأهالي ومؤسسات الدولة.

كلنا شركاء ومصيرنا واحد ولن يحقق أي حزب أو تيار مكاسب ما دام هناك فريق من المصريين يتعرضون لما يتعرض له الثوار الآن في ميادين مصر.

وسيأتي يوم يسجل فيه التاريخ لكل شخص ولكل تيار موقفه في التعامل مع أحداث الثورة المصرية، وسيأتي يوم لا ينفع معه الندم. وليتذكر الجميع قصة الثور ومقولة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض.." ولله الأمر من قبل ومن بعد.  

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

الثورة تحتاج إلى قيادة

د. عبدالفتاح ماضي - أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 22 نوفمبر 2011

لماذا حدث ما حدث؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وهل من أمل في وصول الثورة لأهدافها؟ أسئلة تتردد على ألسنة الكثيرين بعد الإنفلات الأمني والصدامات التي جرت منذ مساء السبت وحتى كتابة هذه السطور.

لكل ثورة هدف محدد أو أهداف محددة على جميع قوى الثورة العمل من أجل الوصول إليها. ويحتاج هذا الأمر وجود قيادة موحدة لهذه القوى الثورية في شكل هيئة عليا أو مجلس وطني، قيادة تتوفر فيها الحد الأدنى من متطلبات القيادة الفعالة، وأبرزها وجود رؤية محددة للوصول إلى الهدف المنشود، وتحقيق أكبر قدر ممكن من التشاور والتوافق بين جميع القوى الثورية، و"قيادة الجماهير وليس الإنقياد إليها. 

ثورتنا المصرية المجيدة تنقصها هذه القيادة الموحدة. فلا يمكن للمجلس العسكري ولا لمجلس الوزراء القيام بوظيفة هذه القيادة نظرا لعدم تمثيلها لجميع القوى ولا تشاورها معها ولا امتلاكها لرؤية محددة للمستقبل في الأساس. كما أنهما لا يمتلكان أي وسيلة فعالة للتواصل مع الشعب والقوى السياسية. ولأنهما لم ينجحا حتى اليوم في حل أي من الأزمات الحادة التي شهدتها البلاد، فإنهما في واقع الأمر يصنعان الأزمات بتجاهلهما بعض المشكلات أو فشلهما في التعامل معها بحكمة.

ومن جهة أخرى، لم تبلور قوى الثورة هذه القيادة الموحدة، لأنها تفرغت - بعد أسابيع معدودة من خلع الرئيس السابق- لمشاريعها السياسية الخاصة بها، وتكالب الكثير منها على تشكيل أحزاب تجاوز عددها الآن الخمسين، متصورة أنه قد حان الوقت لقطف ثمار الثورة أو التنافس على مقاعد الثورة. أدى هذا إلى تشتت الثوار وعدم بلورة رؤية وطنية جامعة لمرحلة ما بعد 11 فبراير، وظهور تصورات مختلفة ومتضاربة أحيانا لما يتصور كل طرف أنه المسار الصحيح للثورة من وجهة نظره. وقد كان طبيعيا أن يؤدي الإستفتاء إلى تقسيم الناس إلى حزبين متصارعين حتى يومنا هذا.

وفي ظل هذا الإنقسام والتشتت لم يجد المجلس العسكري من يفكر بجدية في انفراده بتقرير مسار الثورة ووضع القوانين التي تحدد معالم إدارة المرحلة الإنتقالية بلا تشاور حقيقي بين قوى الثورة. وعندما تأكد للجميع ضبابية الطريق وبطء المجلس العسكري في رسم مسار زمني محدد لتسليم السلطة إلى مدنيين منتخبين، كان من الصعوبة تحقيق وحدة الصف خلف هذا الهدف. فاللذين تظاهروا في الجمعة الماضية لم يحددوا الخطوة التالية ولم يؤكدوا ما أشيع عن استمرار التظاهرات حتى تحديد موعد لتسليم السلطة، أما اللذين اعتصموا يوم السبت فلم يجدوا دعما من القوى السياسية برغم سقوط ضحيتين ومئات الجرحى..

الثورة لم تنته بعد وهي تحتاج إلى قيادة وطنية موحدة. ووحدة الصف وتطوير قيادة جامعة للثورة أول خطوات الخروج من هذا النفق المظلم.   

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

هل من حاجة لإستخدام وصف العلمانية؟

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل  

أخبار الحياة: 21 نوفمبر 2011

مع بدء الربيع العربي، يوجد في مصر ومعظم دولنا العربية، التي شهدت إما انفتاحا سياسيا وإما ثورات من أجل الديمقراطية، أربعة تيارات رئيسة، هي: التيار الإسلامي والتيار اليساري والتيار القومي والتيار الليبرالي.

 في اعتقادي لا حاجة للتيارات الثلاثة الأخيرة إلى وصف نفسها بالعلمانية ولا ربط مرجعياتها الفكرية بالفكرة العلمانية. كما لا ينبغي لأنصار التيار الإسلامي استخدام لفظة العلمانية لوصف التيارات الأخرى. فيما يلي عدد من الأسباب:

 أولا: العلمانية كفكرة هي حل غربي لمشكلة غربية، فقد نشأت في أوروبا في ظروف معينة  كعلاج لمشكلة تجاوز رجال الدين حدود صلاحياتهم وتحكمهم في شؤون الدين والسياسية وممارسة الإستبداد باسم الدين. كان الحل هو استبعاد رجال الدين عن السياسية دون معاداة الدين. وفي هذا تفاصيل كثيرة.

ثانيا: شهدت العلمانية في الممارسة تطبيقات متعددة، معظمها متسامح مع الدين كما في معظم الدول الغربية، والقليل منها يعادي الدين كما كانت الحال في روسيا السوفيتية وتركيا أتاتورك. وفي هذا تفاصيل كثيرة أيضا. لكن لا ينبغي البدء من تطبيق واحد للعلمانية وتعميمه وترويجه على أنه الشكل الوحيد أو حتى السائد للعلمانية واعتبار أن هناك تعريفا واحدا للعلمانية. التفاصيل والإطلاع على التجارب بعمق في غاية الأهمية هنا.

ثالثا: واقع الأمر أن الغالبية العظمى من التيارات الليبرالية واليسارية والقومية في مصر لا تصف نفسها بالعلمانية، ولا أعتقد أنها تحب أن توصف بها من قبل الآخرين. كما أنها لا تدعو في برامجها إلى معاداة الدين أو إقصائه عن المجال العام. وهم يقرون بمرجعية الثقافة العربية الإسلامية العربية وبمرجعية المادة الثانية من الدستور باعتبار أن الدين مكون أساسي من مكونات الثقافة المصرية والعربية.. هم يرفضون سيطرة رجال الدين أو أي هيئات دينية على السياسية وعلى الحكام المنتخبين، ويرفضون التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو محاولة احتكار تفسير الدين من جهة ما.

 رابعا: وجود المادة الثانية كمرجعية للنظام السياسي والمؤسسات الحامية لهذه المرجعية وعلى رأسها المحكمة الدستورية العليا تمنع في واقع الأمر أي محاولات لتمرير قوانين تخترق أبجديات الشريعة الإسلامية. فالبعض يتصور أن هناك قوى سياسية ستحاول تمرير هكذا قوانين في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وبرلمان تحكمه قاعدة الأغلبية. وهناك ضمانة أخرى هي الضمير المصري المرتبط بالقيم والدين بشكل عام والذي سيرفض تلك المحاولات.  

 خامسا: الأخطر من كل هذا أن لفظة العلمانية صارت تعني عند الكثير من العامة والبسطاء داخل مجتمعاتنا "الإلحاد" أو "الكفر". وهذا طريق أرجو أن ننتبه إليه جيدا لأن منتهاه مدمر لنا جميعا.

 علينا أن نسمي الأسماء بمسمياتها الحقيقية، ونطلق على كل تيار الإسم الذي يرتضيه لنفسه. والله أعلم.

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

وحدة الصف وإنقاذ الثورة

د. عبدالفتاح ماضي - أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 20 نوفمبر 2011

تظاهرات 18 نوفمبر الحاشدة فرصة حقيقية لإعادة وحدة صف قوى الثورة. الهدف الجامع قبل 11 فبراير كان إسقاط مبارك، واليوم الهدف الجامع هو تحديد موعد للانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة. تعنت مبارك وحّد القوى السياسية في السابق، واليوم خطر السقوط في حكم عسكري لابد أن يدفع كل العقلاء من كل الاتجاهات نحو التكتل من جديد.

لن يتحقق الانتقال الديمقراطية المنشود مادامت قوى الثورة متفرقة. حتى لو مرت الانتخابات بسلام فسيكون البرلمان القادم متشرذما وبلا صلاحيات حقيقية، بجانب أنه سيعطي بعض الشرعية لبعض الفلول.

ولهذا لا حل إلى بتكتل هذه القوى من جديد كما كنا من 25/1 وحتى الإستفتاء. وهذا التكتل يتطلب:

أولا: التوقف عن الحديث عن أسباب ما وصلنا إليه، فهدفنا هو انقاذ الثورة، والحديث في الأسباب يوسع دوما الهوة بين الطرفين. علينا النظر للمستقبل والتوقف عن اللوم المتبادل. فليتوقف الإسلاميون عن مهاجمة القوى الليبرالية واليسارية، وليتوقف الليبراليون واليساريون عن اتهام الإسلاميين.هذه أول خطوة لإعادة الثقة بين جميع الأطراف، وبدونها لن تتحقق وحدة الصف المنشودة.

ثانيا: تشكيل قيادة عليا موحدة لجميع قوى الثورة في شكل هيئة وطنية جامعة وذلك حتى يتم وضع الدستور وتسليم السلطة لحكومة منتخبة. على أن تفوض هذه الهيئة من قبل الجميع بالتفاوض مع المجلس العسكري باسم كل القوى الوطنية، والتنسيق مع كافة قوى الثورة في المحافظات من أجل الحشد الجماهيري.

ثالثا: أرى أن الأهداف الأربعة التالية تحتاج إلى مليونيات ضاغطة حتى نصل إلى: حكم مدني كامل مكون من رئيس منتخب وبرلمان منتخب وحكومة منتخبة ومسؤولة أمام البرلمان:  

1-تشكيل حكومة إنقاذ وطني، أو رفع اليد عن حكومة الدكتور شرف ونقل كافة صلاحيات السلطة التنفيذية لها حتى نهاية الفترة الإنتقالية، وتركيز اهتمام المجلس العسكري على الشق الأمني الخارجي والداخلي وبالتنسيق مع وزارة الداخلية. 

 2-تحديد موعد للانتخابات الرئاسية لا يتجاوز الأسبوع الأول من أبريل القادم. 

3-إدخال تعديلين على الإعلان الدستوري  أولهما يلزم المجلس العسكري بتكليف زعيم حزب الأغلبية (أو زعيم إئتلاف أحزاب الأغلبية)، بتشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة من القوى الرئيسية الممثلة بالبرلمان، (حكومة وحدة وطنية باعتبارها أول حكومة بعد الثورة وستشرف على استحقاقات مهمة وقد حدث هذا في دول أخرى، وهذا اقتراح يتوافق مع رغبة القوى الرئيسية وعلى رأسها الإخوان في عدم الإنفراد بتشكيل الحكومة القادمة..) وثانيهما يضيف المواد من 124-131 من دستور1971 للإعلان الدستوري حتى يمكن للبرلمان استخدام أدوات مراقبة الحكومة والأجهزة الإدارية والتنفيذية كحق السؤال والاستجواب وطرح الثقة..

(4) إصدار قانون للعزل السياسي قبل الانتخابات، فالثورة كانت ضد أعضاء الحزب الوطني الذين أفسدوا الحياة السياسية وليس ضد أبنيته ومقاره! 

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

نخب ما قبل الانتخابات

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 19 نوفمبر 2011

من أكبر مشكلات مصر بعد الثورة التي أدت إلى إرتباك إدارة المرحلة الانتقالية طبيعة النخب السياسية التي تقود أحزاب وقوى سياسية. لقد اجتمعت سوءتان في هذه النخب: الأولى الأنانية، أي تصور كل فريق بأنه الأفضل والأقدر ومن ثم الأحق في صدارة المشهد ومن ثم الطمع في الحصول على أكبر قدر ممكن من الغنائم، والثانية هي عدم فهم الواقع جيدا، بمعنى عدم القدرة على استيعاب المتغيرات التي شهدتها مصر قبل وبعد الثورة وتصور أنه من الصواب إتباع ذات الأساليب السياسية القديمة، دون الاهتمام بتقديم تصورات جديدة وبخلق نخب جديدة وتمكين الشباب.

أدى هذا إلى كثير من المشكلات، فبدلا من استغلال الشهور الماضية في خلق مساحات مشتركة بين القوى الوطنية حول قضايا وطنية جامعة، ورفع الوعي السياسي للمواطنين، وتدريب الكوادر وتمكين الشباب وإعدادهم للمحليات والبرلمان، دخلت النخب في مناقشات مطولة حول قضايا خلافية ما أدى إلى تصدير خلافات النخب إلى الشارع وزرع استقطاب ايديولوجي قاتل. كما تم تشتيت مجهود النخب في معارك جانبية حول الفلول والمحاكمات والطائفية والانفلات الأمني. وعندما حان وقت الانتخابات اكتشفت الأحزاب أن لا كوادر لديها للانتخابات، وهرول البعض وراء نواب الوطني السابقين ظنا منهم أن الانتخابات مجرد عملية تمويل، في ذات الوقت الذي يطالبون فيه بقانون للعزل!

والأخطر هو أن هذه النخب فشلت في بلورة مطالب الثورة عن طريق بناء تحالفات انتخابية صلبة، الأمر الذي أدى إلى تنافس القوى السياسية في كثير من الدوائر وبالتالي إلى الإقصاء الذاتي لبعضها البعض في الانتخابات المقبلة. كان الأفضل، كما حدث في حالات انتقال أخرى، أن ترتقي النخب والقيادات إلى مستوى المسؤولية التاريخية وتقدم تنازلات تاريخية متبادلة من أجل بلورة تكتلات متجانسة فكريا وايديولوجيا (ليبرالية ويسارية وقومية وإسلامية وربما تكتل آخر لقوى الوسط)، تقدم رؤى ويستطيع الناخب التمييز بين برامجها.

وأدى ارتباط السوءتين لدى النخب وكذا النخبة الحاكمة (المجلس العسكري والحكومة) إلى الفشل في التوافق على نظام انتخابي يعكس حاجات المجتمع والثورة، واعتماد نظام للقائمة النسبية أقرب إلى النظام الفردي بالنظر إلى صغر الدوائر وتنافس عدد كبير من القوائم بكل دائرة. هذا بجانب إدارة القوى السياسية مسألة اختيار أعضاء كل قائمة بعقلية الدوائر الفردية، أي بالاعتماد على أسماء المرشحين وليس برامج الأحزاب أو التحالفات.

قناعتي هي أن جيلا جديدا، معظمه من الشباب، يستوعب جيدا التغيير الذي حدث في مصر، بدأ في البروز داخل أكثر من حزب وتيار سياسي، وأنه بإذن الله سينتصر في نهاية الأمر. إنها مسألة وقت.

  http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

مليونية من أجل ماذا؟

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 18 نوفمبر 2011

من أخطاء النخب السياسية التي تقود القوى والأحزاب السياسية القائمة اليوم أنها تتحرك لمعالجة النتائج وليس الأسباب، وتتأخر عادة في هذا التحرك حتى تسمح للقوى المضادة بتفريغ هذا التحرك من مضمونه.

أعلن أن المليونية القادمة ستكون ضد وثيقة الدكتور السلمي. بالطبع الوثيقة بوضعها الحالي غير مقبولة لسبب جوهري هو ترسيخها لحكم عسكري لن يكون أفضل كثيرا من الحكم البائد. لكن كان على النخب السياسية قراءة الواقع بشكل صحيح ومواجهة الأسباب التي أدت إلى ظهور الوثيقة قبل أيام من الاستحقاق الانتخابي، وأدت إلى مصائب أخرى.

فبجانب الوثيقة، هناك الإنفلات الأمني الذي وصل إلى نتيجته الطبيعية في شكل مصادمات دامية ببعض المحافظات، وهناك التخبط في وضع القوانين المنظمة للانتقال الديمقراطي وصدور قوانين معيبة وناقصة والسماح لفلول الحزب المنحل بنزول الانتخابات ومزاحمة القوى الثورية التي ثارت في الأساس على ممارسات أعضائه، وهناك الإرتباك الواضح في ملفي الأقباط والمطالب الاجتماعية المشروعة، وهناك عدم تحديد موعد للانتخابات الرئاسية والتباطؤ الواضح في تطهير مؤسسات الدولة من الفلول.. كل هذه الأمور هي نتيجة طبيعة لسكوت القوى السياسية على طريقة إدارة المرحلة الانتقالية ظنا منها أنه بالإمكان إجراء الانتخابات مع كل هذا التخبط وبدون حكومة حقيقية.

أبجديات إدارة الانتقال الديمقراطي كانت تقتضي إما أن يقوم المجلس العسكري بالإدارة منفردا لكن مع تحقيق مطالب الثورة بوضع القوانين التي تضمن فعلا الإنتقال الحقيقي إلى الديمقراطية وتحديد موعد زمني للانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية وعزل كل من أفسد الحياة السياسية بمرسوم، وإما أن يُشرك المجلس كافة القوى الرئيسية في وضع ملامح المرحلة الانتقالية بحيث لا يصدر قرار أو قانون إلا بتوافق حقيقي بين هذه القوى.

شهدت دول كثيرة الطريقتين: فقد قامت السلطات الحاكمة (الجيش في البرازيل وكوريا الجنوبية مثلا أو الملك ورئيس الوزراء في اسبانيا) بإدارة المرحلة الانتقالية بنجاح، أما في بولندا وجنوب افريقيا وبنين والسنيغال وغيرها فقد ساهمت كل القوى الرئيسة في تحديد معالم الانتقال فيما عرف بالطاولة المستديرة. لم يحدث أيهما في مصر.

بالإمكان العمل خلال الأيام المتبقية من هذا الأسبوع لتجميع القوى الوطنية من أجل مليونية ضد أسباب ما وصلنا إليه اليوم برفع ثلاثة مطالب: أمام وثيقة السلمي، لابد أن تتوافق القوى السياسية على وثيقة بديلة توافقية تضمن ديمقراطية النظام السياسي المنشود وعدم إنفراد قوى محددة بوضع الدستور. وأمام انفراد المجلس العسكري بالسلطة وعدم منحه صلاحيات للحكومة، لابد من المطالبة بحكومة انقاذ وطني بكافة الصلاحيات، ومع ضيق الوقت يمكن فعل ذلك بالإبقاء على حكومة الدكتور شرف مع رفع اليد عنها ومنحها صلاحيات كاملة، فالمشكلة ليست في أشخاص الوزراء وإنما في الوصاية المفروضة عليهم. وأمام ضبابية انتخابات الرئاسة، لابد من المطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسية بعد الانتهاء مباشرة من انتخابات الشعب والشورى.   

http://abdelfattahmady.net/bar86.gif

 

صحيفة يومية جديدة

د. عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستقل

أخبار الحياة: 17 نوفمبر 2011

من ثمرات ثورة 25 يناير المجيدة ظهور عدد كبير من الصحف المستقلة والحزبية، الأسبوعية واليومية. لكن هل كل هذه الصحف ستسهم في نهضة مصر المنشودة بعد الثورة؟

بعض هذه الصحف له رسالة سامية خيرة، لكن بعضها الآخر نشأ لأغراض تجارية بحثة. الطابع التجاري لا يجب أن يكون المعيار الأساسي في إنشاء هذه الصحف بعد الثورة. نحن في أمس الحاجة إلى صحف تنقل الحقيقة كاملة وتعبر عن مشكلات الناس اليومية وقضاياهم وتتيح الفرصة للخبراء لطرح الأفكار والحلول، وتعمل كحلقة وصل بين هموم الناس وأفكار الخبراء من جهة والمسؤولين وصناع القرار من جهة أخرى.   

إحترام عقلية القارئ أول خطوات النجاح. فالحقيقة فوق أي شيء آخر. ولا يجب أبدا التضحية بالأخلاق أو قيم المهنة من أجل سبق صحفي مشكوك في صحته أو من أجل الترويج لبرنامج سياسي أو ايديولوجي محدد. وينبغي التأكد دوما من صحة أي معلومة قبل نشرها، فالناس والكتاب وصناع القرار يبنون مواقفهم وآرائهم على ما ينشر في الصحف من أخبار وتحقيقات. شعبنا يحتاج - بعد سنوات من التضليل والإقصاء – أن يعرف الحقيقة كاملة غير مغلوطة وغير منقوصة لأي اعتبارات سياسية أو ايديولوجية.  

والصحافة، مثلها مثل كافة وسائل الإعلام الأخرى، أداة مؤثرة في غرس القيم الإيجابية وتشكيل عقول الناس. ومن أهم هذه القيم الآن النقد البناء، فلا تقدم ولا نهضة بلا عقول نقدية بناءة. لهذا يجب أن تتاح الفرصة لكتاب رأي ممن لا يعملون بالصحيفة للتعبير عن آرائهم بكل حرية حتى ولو لم تكن متوافقة مع السياسة التحريرية للصحيفة عملا بقاعدة الرأي والرأي الآخر واحتراما لمجتمع يتطلع إلى الديمقراطية والتعددية. ولا يجب أن تكون هناك خطوط حمراء في صفحات الرأي، فالرقيب الوحيد هو ضمير الكاتب، وحرمة العبث بالمقدسات الدينية أو الخوض في أعراض الناس.  

وإحترام التخصصات ودعوة أكاديميين وخبراء مستقلين للكتابة في المجالات المختلفة أمر في غاية الأهمية. يجب أن تمتد الدعوة إلى متخصصين في كافة المجالات الاجتماعية والإنسانية على وجه الخصوص، فنهضة أي مجتمع من المجتمعات لا تعتمد فقط، كما يظن البعض، على علماء الهندسة والطب، وإنما هي تحتاج بشكل كبير إلى علماء وباحثي الاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام والقانون والفلسفة والجغرافيا والتاريخ. وظيفة هؤلاء التفكير وصنع البدائل والنقاش والحوار والنقد. يجب أن تتيح الصحف لهؤلاء حرية طرح الأفكار والآراء ويجب أن يشتبك الكتاب حول هذه الأفكار ولا يكتبون وكأنهم في جزر منعزلة.  

العمل الصحفي أمانة. وأداء الأمانة في حاجة إلى جهود خيرة وهمم عالية ورؤية واضحة حتى تسهم الصحف الجديدة في نقل الحقيقة وتنوير العقول وتحريرها من القيود والمساهمة في نهضة مصر.  

     

 

Copyright 2007-2011© Abdel-Fattah Mady. All rights reserved